...
IMG 20260205 WA0135

الكاتبة: عاليا عجيزة

 

 

      الوقت في رمضان كالغيمة السريعة، تمطر خيراً وترحل في لمح البصر. السر الحقيقي لاستشعار بركة هذا الشهر ليس في “تراكم الإنجازات” بل في قاعدة التخلي قبل التحلي؛ أن تتخلي عن العادات التي تسرق عمرك، عن الأحاديث التي لا تنفع، وعن الإسراف الذي يثقل بدنك، لتتحلي بنسخة أنقى
ابدئي بضبط ساعة جسدكِ البيولوجية.
     لا تستهلكي ساعات النهار في النوم وساعات الليل في المطبخ وأمام الشاشات. بركة الوقت تبدأ من “بكوركِ”؛ تلك اللحظات الهادئة بعد الفجر التي تمنحكِ صفاءً ذهنياً لا يُقدر بثمن.
      وزعي مهامكِ بذكاء: اجعلي وقت إعداد الطعام وقتاً “للسماع” (بودكاست نافع أو قرآن)، وبذلك يتحول الروتين اليومي إلى عبادة خفية تملأ روحكِ بالسكينة.
        أما عن استثمار الصحة، فهو المحرك الأساسي لهذه الرحلة. تذكري أن المعدة المثقلة بالدهون          والسكريات تسحب طاقة الدماغ وتجلب الخمول، مما يسرق منكِ لذة “القيام” وبركة “التهجد”. عندما تختارين طبقاً صحياً، أنتِ لا تحافظين على وزنكِ فحسب، بل تشترين “وقتكِ”؛ لأن الجسد الخفيف يحتاج ساعات نوم أقل ويمنحكِ تركيزاً أطول في العبادة والعمل.
         اجعلي لقلبكِ نصيباً من الصمت، ولعينكِ نصيباً من التدبر في صفحات المصحف، ولعقلكِ نصيباً من التخطيط لما بعد رمضان. لا تسمحي للشهر أن يمر بكِ كضيفٍ عابر، بل كوني أنتِ من يمر في رمضان بوعي، تاركةً خلفكِ عادات قديمة، ومستقبلةً “ذاتاً جديدة” أكثر صحة، هدوءاً، وقرباً من الله.
       رمضان ليس مجرد محطة زمنية عابرة في تقويم السنة، بل هو بوابة عبور نحو نسخة أنقى وأخف وأجمل منكِ. الوقت في هذا الشهر يشبه “الغيمة السريعة”؛ تمطر خيراً وبركة ثم ترحل في لمح البصر. السر الحقيقي لاستثمار هذه البركة لا يكمن في كثرة المهام، بل في ذكاء التخلي قبل التحلي.
 أولاً: فقه “الزمن المبارك” (استرداد الساعات الضائعة)
بركة الوقت تبدأ حين تدركين أن الـ 720 ساعة الرمضانية هي ملكية خاصة لروحك، وليست مشاعاً للشاشات أو لدوامة المطبخ اللانهائية.
قاعدة البكور: “بورك لأمتي في بكورها”؛ اجعلي ساعات الصباح الأولى بعد الفجر هي وقتكِ الخاص للقرآن والتخطيط، فالعقل يكون في أوج صفائه.
الدمج الذكي: حولي وقت إعداد الطعام من “مجهود بدني” إلى “غذاء روحي”؛ استمعي لبودكاست نافع، أو اجعلي لسانك رطباً بالتسبيح، وبذلك يتحول روتينك اليومي إلى عبادة صامتة تبارك لكِ في وقتكِ وجهدك.
 ثانياً: الجسد الخفيف.. وعاء الروح المطمئنة
استثمار الصحة في رمضان هو المحرك الأساسي لهذه الرحلة. تذكري دائماً أن “المعدة المثقلة تسرق العقل”.
كيمياء النشاط: عندما تختارين إفطاراً متوازناً بعيداً عن السكريات والزيوت المهدرجة، أنتِ لا تحافظين على وزنكِ فحسب، بل “تشترين وقتكِ”.
الفرق الجوهري: الجسد المثقل بالدهون يحتاج ساعات نوم أطول ويشعر بالخمول، بينما الجسد الخفيف يمنحكِ يقظةً وتركيزاً في صلاة القيام والتهجد. اجعلي شعارك: “نأكل لنتقوى، لا لنشقى بالهضم”.
 ثالثاً: السكينة النفسية (خلوة مع الذات)
في زحام العزومات والواجبات الاجتماعية، لا تنسي “خلوتكِ”. رمضان فرصة لترميم ما أفسدته ضجيج الحياة في قلوبنا طوال العام.
صيام الجوارح: صومي عن القلق، عن المقارنات، وعن متابعة حياة الآخرين عبر وسائل التواصل.
لحظات الصمت: خصصي 10 دقائق قبل الإفطار و10 دقائق قبل السحور للصمت التام والدعاء الملحّ. هذه اللحظات هي التي تبني “الذات الجديدة” الصبورة والممتنة.
 الخاتمة: كوني “عابرة” تترك أثراً
لا تسمحي لرمضان أن يمر بكِ كضيفٍ ثقيل ينتظر الرحيل، بل كوني أنتِ من يمر في رمضان بوعي كامل. اجعلي الثلاثين يوماً مضماراً لسباق النفس نحو الأفضل. عندما تحترمين وقتكِ، يبارك الله في عمرك، وعندما تكرمين جسدك بالصحة، يكافئكِ بروحٍ وثابة قادرة على التغيير.
تذكري: العيد سيأتي حتماً، والفرق الوحيد بين من يودعه ببهجة الإنجاز ومن يودعه بغصة التقصير هو “وعي اللحظة”. استمتعي بكل ثانية، واجعلي رحلتكِ نحو ذاتكِ الجديدة تبدأ الآن.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *