...
File 00000000ddd4720a856b6b7c77a4ddec

 

الكاتبه أمل سامح 

 

الفصل الثاني: الرجل الذي يحمل وجهي

لم ألتفت فورًا.

أحيانًا، الخوف لا يأتي كصرخة…

بل كيقين بارد يسري في العمود الفقري.

الخطوات توقفت خلفي.

كنت أسمع أنفاسًا… هادئة، منتظمة، مألوفة.

مألوفة إلى حدٍ مرعب.

قال الصوت:

“لو كنتُ مكانك… لما فتحت الصفحة السابعة.”

كان صوتي.

ليس شبيهًا به.

ليس قريبًا منه.

هو.

التفتُّ ببطء، كما لو أنني أتحرك داخل حلم ثقيل.

كان يقف على بعد خطوات.

يرتدي معطفي ذاته.

الخدش الصغير فوق حاجبه الأيسر… موجود.

حتى الانكسار الخفيف في إصبع يده اليمنى — الذي حدث يوم دفنها — كان هناك.

كان أنا.

لكن عينيه…

لم تكونا عينيّ.

كانتا أعمق.

كأنهما رأتا أشياء لم أحتملها بعد.

ابتسم.

لم تكن ابتسامة سخرية.

ولا تهديد.

بل شفقة.

وهذا ما أخافني أكثر.

قلت بصوت متقطع:

“من أنت؟”

أجاب بهدوء:

“نسخة لم تُخطئ مثلك.”

ارتجفت يدي التي تحمل الكتاب.

الهواء صار أثقل.

الموج أبطأ.

الشمس عالقة في مكانها، لا تغرب… ولا تبقى.

كأن الزمن ينتظر نتيجة هذا اللقاء.

اقترب خطوة.

“أنت قرأت أكثر مما يجب.”

“هذا مستحيل…” همستُ.

أشار إلى الكتاب.

“الكتاب ليس نبوءة.

هو تسجيل.

كل مرة تقرأ فيها، تُفعّل احتمالًا.

كل احتمال يخلق نسخة.”

توقف قلبي لحظة.

“نسخة… مني؟”

“منك.

ومنها.”

اختنق الهواء في صدري.

“هي ماتت.”

لمعت عيناه بوميض حاد.

“لا أحد يموت في أول نسخة.”

صوت الموج ارتفع فجأة، ثم انخفض كأن البحر يتنفس ببطء عملاق.

فتح كفّه.

كان يحمل… نفس الكتاب.

لكن غلافه ممزق.

والدماء لطخت أطراف الصفحات.

“أنا وصلت إلى الصفحة الأخيرة.”

همس.

شعرت بشيء ينكسر داخلي.

“وماذا حدث؟”

لم يجب فورًا.

نظر إلى البحر.

وهناك…

بدأ الماء يتشقق.

ليس مجازًا.

السطح انفتح كمرآة يُضرب مركزها بحجر.

تصدعات ضوئية امتدت فوق الأمواج،

ومن بين الشقوق…

ظهرت وجوه.

وجوه كثيرة.

أنا.

أنا.

أنا.

كل نسخة تنظر نحوي بتعب مختلف.

بندم مختلف.

بخسارة مختلفة.

وبينهم…

كانت هي.

لكنها لم تكن ثابتة.

كل نسخة منها كانت مختلفة قليلًا.

إحداهن تبكي.

أخرى تبتسم.

أخرى تنزف من جبينها.

وأخرى… بلا عيون.

تراجعتُ خطوة.

صرختُ:

“أوقف هذا!”

اقترب مني الرجل الذي يحمل وجهي.

وهمس في أذني:

“لم يبدأ بعد.”

ثم دفعني.

سقطتُ في الماء.

لكن الماء لم يكن ماءً.

كان فراغًا.

باردًا.

بلا صوت.

بلا قاع.

كنت أسقط عبر نسخ من حياتي.

أرى الحادث يتكرر…

لكن في إحداها كنت أنا من يقود.

وفي أخرى… لم تكن معي أصلًا.

وفي ثالثة… كانت تبتسم قبل الاصطدام.

صرختُ باسمها.

فسمعتُ صوتها.

واضحًا.

قريبًا.

“توقفتَ عن القراءة عند الصفحة السابعة…”

كان صوتها يأتي من كل الاتجاهات.

“لكن هناك صفحة كتبتها أنا.”

تجمد كل شيء.

ظهرت أمامي في الفراغ.

ليست انعكاسًا.

ليست ذكرى.

جسد كامل من ضوء ودم.

اقتربت.

لمست وجهي.

كانت يدها دافئة.

حقيقية.

همست:

“لم أمت.

أنا عالقة بين نسخك.”

شعرتُ بالاختناق.

“كيف أخرجك؟”

ابتسمت ابتسامة حزينة.

“لا تُخرجني.”

الفراغ بدأ ينهار.

شقوق سوداء تتسع.

“عليك أن تختار نسخة واحدة…

وتمحو البقية.”

صوت تمزق هائل شق الظلام.

استيقظتُ.

على الصخور.

الكتاب مغلق في يدي.

الشمس… لم تغرب بعد.

نظرتُ خلفي.

لا أحد.

لكن…

على الرمال الرطبة…

آثار قدمين.

واحدة لي.

والأخرى…

تقف حيث كنتُ جالسًا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *