الكاتبة عاليا عجيزة
كانت الغرفة غارقة في صمتٍ مريب، لا يقطعه إلا طقطقة الشمعة التي توشك على النفاد. أمامي، استقر ذلك المجلد الضخم بجلده الأسود المتآكل. لم يكن مجرد كتاب؛ كان يبدو ككائنٍ يتنفس، تخرج منه رائحة ورقٍ عتيق ممزوجة برائحة شيءٍ لا يمت للدنيا بصلة. حين وضعت يدي على غلافه البارد، شعرت بنبضٍ خافت، كأن هناك قلبًا ينبض تحت الحروف الذهبية المكتوب عليها “Dark Fantasy”.
فتحتُ الصفحة الأولى. لم تكن هناك عناوين، بل كانت الكلمات تبدو وكأنها تحاول الهروب من الورق. وفجأة، لم أعد أقرأ؛ بل سمعتُ صوتًا، لا بأذنيّ، بل في عمق عقلي. كان صوتًا متعبًا، منهكًا، يحمل ثقل قرون من العزلة.
“أخيرًا.. قارئٌ آخر. هل تعلم كم مضى من الوقت منذ أن لمست هذه الصفحات بشرٌ حقيقيون؟ أنا لستُ كاتبًا، أنا سجين. كنتُ مثلَك يومًا، أبحث عن إلهام في المكتبات المنسية، حتى وقعتُ في خطأ فتح الكتاب الخطأ.”
تجمدتُ في مكاني، وحاولتُ إغلاق المجلد، لكن أصابعي التصقت بالصفحات. بدأ الحبر الأسود يتسرب من الكتاب ليصعد على معصمي مثل خيوطٍ عنكبوتية باردة. تابع الصوت، وهذه المرة بنبرةٍ أكثر حدة، مليئة بالجوع:
“لا تحاول المقاومة. الكتاب لا يروي القصص، الكتاب يستهلكها. هو يحتاج دائمًا إلى راوٍ جديد ليديم بقاء عالم الفنتازيا المظلمة الذي يحبسه في الداخل. كل كلمة تقرؤها تمنحني القوة لأتنفس، وكل صفحة تقلبها تقربني خطوة من حريتي.. وتقربك أنت خطوة من مكانٍ هنا.”
بدأت الحروف تتلاشى من الصفحة وتنزلق إلى بشرتي، وكأنها وشومٌ تُكتب على جسدي مباشرة. نظرتُ إلى يدي، كانت تتلاشى، تتحول إلى ورقٍ أصفر، تتشكل عليها كلماتٌ لم أكتبها يومًا. أدركتُ حينها الحقيقة المرعبة: الراوي الذي كان يتحدث لم يرحل، بل كان يختبئ في الحبر، ينتظر فقط من يفتح الغلاف ليتبادل معه الأدوار.
انطفأت الشمعة، وغرقت الغرفة في ظلام دامس. وفي لحظتي الأخيرة كإنسان، سمعتُ ضحكة مكتومة تصدر من بين دفتي الكتاب، بينما بدأتُ أنا -بإرادةٍ مسلوبة- أكتب الفصل القادم من حياتي، بصفتي السجين الجديد، بانتظار قارئٍ غافلٍ سيفتح الكتاب بعد سنوات.
![]()
