...
IMG 20260302 WA0024

 

الكاتب أنور الهاملي

 

ليس الوطن دائمًا أرضًا تُرسم حدودها على الخريطة، ولا اسمًا يُكتب في جواز السفر، بل قد يكون فكرةً تسكن الروح، أو كتابًا يحتضن القلب، أو معنىً يولد بين سطرين. وأنا لي في الأدب والفلسفة وطن، لا تضيق حدوده، ولا تعصف به الرياح.

في الأدب وجدت نفسي كما لم أجدها في المرآة؛ رأيت ضعفي في حزن أبو الطيب المتنبي، وكبريائي في كلماته التي تمشي كالخيول في الصحراء. وحين قرأت عباس محمود العقاد، شعرت أن الفكر يمكن أن يكون سيفًا، وأن الكلمة موقف، وأن الإنسان مشروع فكرة قبل أن يكون جسدًا. الأدب ليس حكاية تُروى، بل روح تُنقل من قلب إلى قلب، وهو الوطن الذي لا يخذل أبناءه إن صدقوا معه.

أما الفلسفة، فهي السماء التي تعلّمت تحتها كيف أسأل قبل أن أُجيب، وكيف أشك قبل أن أُسلّم. مع أفلاطون أدركت أن الحقيقة ليست سطحًا بل عمقًا، ومع أرسطو تعلمت أن للعقل ميزانًا يزن به الأشياء بعيدًا عن ضجيج العاطفة. الفلسفة لم تعلّمني ماذا أفكر، بل كيف أفكر؛ ومنحتني حرية داخلية لا تقيدها القيود الخارجية.

وطني في الأدب والفلسفة لا يعرف الانقسام، لأنه وطن المعنى. فيه أعيش ألف حياة، وأزور عصورًا لم أعشها، وأتحاور مع عقولٍ سبقتني بقرون. فيه أجد عزائي إن ضاقت الدنيا، وأجد قوتي إن ضعفت نفسي. إن كان الناس يبحثون عن وطنٍ يحمي أجسادهم، فأنا أبحث عن وطنٍ يحمي فكري ووجداني.

لهذا أقول: لي بالأدب والفلسفة وطن، ألوذ به حين تتشظى الأصوات، وأعود إليه كلما تاه الطريق. وطن لا يُحتل، ولا يُباع، ولا يُورَّث، بل يُبنى حرفًا حرفًا، وسؤالًا سؤالًا، وفكرةً فكرة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *