...
IMG 20260511 WA0052

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

فوق قمة ناطحة سحاب صامتة، تتحدى ببرودها ضجيج مدينة ميتة بالأسفل، جلس “إيثان” و”ليليث”. لم تكن جلسة صداقة، ولم تكن هدنة محاربين، بل كانت وقفة الحداد الأخيرة على عالمٍ نسيه الزمن.

خلفهما، انفجر القمر في كبد السماء كجرحٍ نازف، صابغًا السحب بلون الدم المتخثر، ومحوِّلًا الأفق إلى لوحة من الجمر والرماد.

كانت ليليث تجلس برقة ملائكية، جناحاها الأبيضين ينسدلان كشلال من النور فوق حافة الحجر الباردة. فستانها الأبيض، المنسوج من خيوط الفجر، كان يتمايل مع ريحٍ مسمومة لا تهب إلا في نهايات العصور.

كانت تمثل كل ما هو نقي، وكل ما حاول البشر الوصول إليه وفشلوا. لكن ملامحها لم تكن تحمل النصر؛ كانت تحمل حزنًا شفافًا، كأنها ترى في القمر الأحمر انعكاسًا لسقوط كل شيء جميل.

بجانبها، كان إيثان يجلس ككتلة من الظلام المحض. جسده الأسود المسنن، وقرونه التي تشق الهواء كخناجر من أبنوس، وعيناه اللتان تشعان بوهج أحمر خافت، كانت كلها تحكي قصة السقوط الطويل. هو لم يكن الشر بالمعنى الساذج، بل كان “الحقيقة المرة” التي يهرب منها الجميع. كان يمثل الرماد الذي يتبقى بعد انطفاء الشعلة.

“هل تعتقدين أنهم يستحقون هذا المشهد؟” سأل إيثان بصوتٍ يشبه حفيف الورق المحترق، دون أن يلتفت إليها. كانت عيناه مثبتتين على أضواء المدينة البعيدة بالأسفل، تلك الأضواء التي بدأت تنطفئ واحدًا تلو الآخر كأنفاسٍ تحتضر.

ردت ليليث وصوتها كأجراسٍ بعيدة وسط عاصفة: “الاستحقاق لم يعد جزءًا من المعادلة يا إيثان. نحن هنا لأن النهاية لا تفرق بين المذنب والبريء. انظر إلى القمر…”

إنه لا يطلب إذنًا ليحرق السماء.

كان القمر الأحمر، ذلك الكيان الضخم الذي سيطر على المشهد، يبدو وكأنه عينٌ كونية عملاقة تراقب موتهما البطيء. لم يكن قمرًا عاديًا، بل كان “صحوة الدم” التي تنبأت بها الكتب القديمة. تحت ضوئه، تلاشت الحدود بين الملاك والشيطان؛ فكلاهما الآن مجرد ظلال على حافة الهاوية، وكلاهما فقد مملكته.

بالأسفل، كانت ناطحات السحاب تبدو كقبورٍ عملاقة من الإسمنت والزجاج. المدينة التي كانت يومًا تضج بالحياة، وبالحب، وبالجشع، صارت الآن صامتة كالمقابر. الدخان يتصاعد من أزقتها ليختلط بسحب القرمز فوقها.

وضع إيثان يده السوداء الخشنة على حافة السور، وبجانبها كانت يد ليليث الرقيقة. التناقض بين لونهما كان يلخص تاريخ الكون كله. الأسود والأبيض، الظل والنور. في تلك اللحظة، أدركا أن أحدهما لا يمكن أن يوجد دون الآخر. النور يحتاج إلى الظل ليعرف حدوده، والظلمة تحتاج إلى الضوء لتبرز قوتها. والآن، ومع اقتراب النهاية، ذابت الكراهية التاريخية بينهما لتفسح المجال لنوع من المواساة الوجودية.

“عندما يسقط القمر، ماذا سيتبقى منا؟” سألت ليليث وهي تضم جناحيها حول جسدها، محاولةً الاحتماء من برودة العدم التي بدأت تسري في الأثير.

التفت إليها إيثان لأول مرة. كانت عيناه الحمراوان تلتقيان بعينيها الزرقاوين الصافيتين. “لن يتبقى سوى الحكاية. نحن آخر من سيشهد انطفاء الوعي. سنكون الذكرى الأخيرة في عقل الكون قبل أن يغلق جفنه إلى الأبد.”

بدأت السماء تضيق، والقمر الأحمر بدأ يقترب كأنه يسقط نحو الأرض. الرياح اشتدت، حاملةً معها صرخات الماضي ووعود المستقبل التي لن تتحقق. وقف إيثان ومدّ يده لليليث. لم تتردد. وضعت كفها النوراني في كفه المظلم.

في تلك اللحظة، حدث ما لم يتوقعه أحد. اندمج الضوء والظلام في هالة واحدة. لم يعد هناك ملاك، ولم يعد هناك شيطان. تحولا إلى “كيان الرماد”، الكيان الذي يفهم أن الوجود ليس صراعًا بين طرفين، بل هو رحلة قصيرة نحو نقطة الصفر.

انفجر القمر الأحمر في صمتٍ مطبق، محولًا كل شيء إلى غبار كوني. غابت المدينة، وغابت ناطحة السحاب، وبقيت فقط تلك اللحظة الخالدة على الحافة. لحظة جلس فيها النقاء بجانب الخراب، وانتظرا معًا بزوغ فجرٍ لن يأتي أبدًا.

لقد كانت اللوحة هي التجسيد الأسمى للـ “ميلانخوليا الكونية”؛ حيث لا نصر لأحد، وحيث الموت هو الوحيد الذي يملك الكلمة الأخيرة، ملونًا العالم كله بلون الورد الذابل.. بلون القرمز.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *