...
IMG 20260522 WA0025

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

كان الليل في المرعى ينسج حكايات هادئة، ينام فيها الجميع إلا أنا. وُلدتُ مع خيوط الفجر الأولى، حيث كانت أمي تلعق فرائي الأبيض الصغير، وكنت أظن حينها أن العالم كله لا يتعدى حدود هذا الحضن الدافئ وقضمات العشب الطري.

 

كبرتُ سريعًا، وكبرت معي قروني وأحلامي البسيطة. كانت حياتي روتينًا جميلًا تضبطه خطى الراعي وألحان نايه البعيد. أركض مع أقراني في المروج الخضراء، ننافس الرياح ونقفز فوق الجداول الصغيرة، متأرجحين بين دفء الشمس في النهار وظلال الجبال الشاهقة التي تحرس وادينا. كنا نعيش اللحظة بكل تفاصيلها، دون خوف من غدٍ أو ندم على أمس، ولكن للحياة فصولًا لا بد أن تتبدل.

 

ذات صباح، لم يكن كباقي الأيام. استيقظتُ لأجد الراعي يغمرني باهتمام غير معتاد؛ غسل صوفي بالماء البارد حتى بات كالسحاب الأبيض، ووضع على رأسي قبعة زاهية الألوان، ثم أهداني بوقًا ملونًا أمسكتُ به بفرح طفولي بين فكي.

 

لم أكن أفهم سر هذه الاحتفالية، لكنني شعرت بطاقة غريبة تسري في المكان. عندما فُتحت البوابة، لم أتمالك نفسي من الفرح؛ انطلقتُ قفزًا في الهواء، أطير فوق الأعشاب، تاركًا خلفي كل القيود.

 

«في تلك اللحظة الخاطفة، اختصرتُ كل بهجة العمر في قفزة واحدة نحو الحرية، أتسابق مع الريح، والراعي يركض خلفي ضاحكًا.»

 

أنا الآن أركض، والكون كله يبتسم لي. قد لا أعلم إلى أين تمضي بي هذه الرحلة، أو ماذا ينتظرني خلف تلك الجبال المضاءة بنور الشمس الذهبي، لكني أعلم شيئًا واحدًا: لقد عشتُ حياتي بكامل صوفي، وبكامل قفزاتي، وبكامل الفرح الذي يتسع له قلب خروف صغير.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *