...
IMG 20260623 WA0122

 

الكاتبه المحبة لله

 

عشقتُ الكتابة منذ صغري، وعشقتُ معها نسج القصص من وحي خيالي تارة، ومن أسماء العابرين في الطريق تارة أخرى. كنتُ طفلةً صغيرةً مشاغبةً في بعض الأحيان؛ لكن شغفي بالقراءة لم يغادرني يومًا، بل نما معي حتى نضجت، وأصبحت أجد نفسي بين السطور أكثر مما أجدها في أي مكان آخر.

كثيرًا ما كنتُ أتساءل: ماذا تعني تلك الكلمة التي ينادونني بها، “كاتبة”؟ حتى أدركتُ، مع مرور الأيام، أنها حالة خاصة لا يفهمها سوى من عشق الأدب بكل ألوانه، ومن وجد في الكلمات وطنًا، وفي الكتب ملاذًا، وفي الحروف حياةً أخرى توازي الحياة التي يعيشها.

فكلما شعرتُ بالضجر من عالمي، أو أثقلتني الأيام بما لا أطيق، لجأتُ إلى رواية رومانسية، أو قصة بوليسية، أو أي عالم يسرقني من واقع لا أستطيع تغييره، ولا أجد نفسي منسجمةً معه. كنتُ أبحث بين الصفحات عن شيء يخفف وطأة المشاعر التي تعصف بي، وعن مساحة أتنفس فيها بعيدًا عن ضجيج الحياة ورتابتها.

ولأن الروتين كان يخنقني، كنتُ أتمرد عليه بكتاباتي، وأدوّن كل ما يختلج في صدري دون أن أبالي بشيء، أو أسمح لأي سبب أن يطفئ ذلك الشغف الذي يسكنني. فصراحةً، لم أعرف يومًا معنى فقدان الشغف؛ لأنني حتى وإن لم أمسك القلم، يظل عقلي منشغلًا بفكرة خاطرة جديدة، أو بداية قصة لم تولد بعد.

ولأنني رفيقة نفسي، لم أحتج كثيرًا لمن شغلتهم الحياة عني. وإن كنتُ لا أحب الوحدة، إلا أنها فرضت نفسها عليّ، ولم أشأ أن أجعلها سجنًا يأسرني.

حدثتُ نفسي يومًا وقلت: لن أسمح للوحدة أن تهزمني؛ بل سأجعل منها عالمًا آخر، عالمًا تملؤه شخصيات مختلفة، وأصوات متنوعة، ولهجات شتى، أهرب إليها كلما شعرتُ بالملل من يوم لا يحمل جديدًا.

وربما يظن من يقرأ كلماتي أنني أبالغ، أو أنني فقدتُ صوابي؛ لكنه لم يعش ما عشته، ولم يعرف كيف يمكن للإنسان أن يصنع من وحدته حياةً أخرى، وكيف يمكن للخيال أن يصبح وطنًا حين تضيق بنا الأوطان؟

أما الوقت، فلم يعد يشغلني كثيرًا؛ لا فرق عندي بين الواحدة ظهرًا أو منتصف الليل، إلا أنني أستسلم أخيرًا للنوم، فأجد في أحلامي أحيانًا بذورًا لخاطرة جديدة، أو ذكرى قديمة تستحق أن تُروى.

وكم من فكرة زارتني في غفلة، ثم تبعثرت قبل أن أسجلها، وكم من حكاية ضاعت؛ لأنها فضلت البقاء في ذاكرتي بدلًا من الورق.

فإلى متى، يا حياة، سأظل على هذه الحال؟ متى يقتحم أيامي شيء جديد يبدد هذا الروتين الثقيل؟ متى أعرف ذلك الشعور الذي يسمونه سعادةً كاملة؟

وأنا لم أعرف منها سوى ومضات عابرة، تختلط دائمًا بشيء من الشجن.

ورغم كل شيء، ما زلت أؤمن أن للكلمات قدرةً على مواساتي، وأن الكتابة لم تكن يومًا مجرد هواية؛ بل كانت رفيقة دربي، وصوتي الذي لم يخذلني، والعالم الذي كلما ضاقت بي الحياة وجدتُ فيه متسعًا لروحي.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *