...
IMG 20260623 WA0129

 

الكاتبة: منة الله محمد

 

في آخر الليل، جلست أمام نافذتي أراقب السماء وهي تروي حزنها في صمت. كانت قطرات المطر تنساب على الزجاج، كأنها تحمل رسائل ضائعة، يبحث كل منها عن قلبٍ كان ينتظرها ذات يوم، وكأن كل قطرة منها تحاول أن توقظ ذكرى دفنتها الأيام ولم تمت.

لم أكن أنتظر المطر… كنت أنتظر شيئًا لا أعرف اسمه. ربما عودة صوتٍ غاب، أو دفء لحظة رحلت، أو إجابة لسؤال بقي معلقًا بين أضلعي منذ زمن.

فبعض الغياب لا يُقاس بالمسافات، ولا بعدد الأيام التي تمضي، بل بالفراغ الذي يتركه في أرواحنا. هناك أشخاص يرحلون بأجسادهم، لكنهم يتركون ظلالهم في كل شيء؛ في الأماكن التي جمعتنا بهم، في الأغاني التي سمعناها معهم، وفي التفاصيل الصغيرة التي لم ندرك قيمتها إلا بعد أن أصبحت مجرد ذكرى.

كانت أمامي رسالة قديمة، ورقة صغيرة تحمل بين طياتها عمرًا كاملًا. لم تكن مجرد كلمات مكتوبة، بل كانت نبضًا من الماضي، ويدًا تمتد عبر الزمن لتخبرني أن بعض اللحظات لا تنتهي، بل تختبئ في أعماقنا حتى نظن أننا نسيناها.

ترددت كثيرًا قبل أن أفتحها، فهناك ذكريات نخاف الاقتراب منها، ليس لأنها تؤلمنا فقط، بل لأنها تعيد إلينا أشخاصًا لم يعد بإمكاننا الوصول إليهم.

يظنون أن الزمن يمحو كل شيء، لكن الحقيقة أنه لا يمحو… بل يعيد ترتيب الفوضى داخلنا. يجعل الوجع أكثر هدوءًا، والذكرى أكثر عمقًا، ويعلمنا أن بعض الخسارات لم تأتِ لتكسرنا، بل لتُخرج من بين أنقاضنا شخصًا أقوى.

ومع مرور الليل، بدأ الظلام ينسحب ببطء، وظهر الفجر كأنه وعد جديد من السماء. لحظة صغيرة، لكنها كانت كافية لأفهم أن بعد كل عاصفة سكونًا، وبعد كل نهاية بداية لا نراها إلا عندما نتوقف عن انتظار الماضي.

نظرت إلى النافذة مرة أخرى، فرأيت المطر يهدأ، ورأيت النور يتسلل إلى العالم دون ضجيج. عندها أدركت أن القلب، مهما حمل من حكايات مؤلمة، لم يُخلق ليبقى أسيرًا للغياب.

فبعض من رحلوا لا يعودون، لكنهم يتركون فينا شيئًا منهم… أثرًا لا يُرى، لكنه يسير معنا في كل خطوة.

وفي ذلك الصباح، لم أنتظر رسالة من أحد… فقد وصلتني الرسالة التي كنت أبحث عنها طوال الوقت:

أنني لم أفقد نفسي، وأن كل ما ظننته نهاية… كان بداية جديدة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *