...
IMG 20260730 WA0179

 

الكاتبة رفيدة فتحي

 

إن تربيةَ الحيوانات تُعلِّم الإنسان كيف يكون قويًّا عندما يفقد أحد أحبائه.

 

فتاتي ذات الثمانية أعوام تجلس على قمة الجبال كل يوم بعد السابعة صباحًا، تُحدِّق بأجفانٍ جامدةٍ تجاهي وأنا أصنع الفطور.

 

تتأمل عينيَّ السوداوين، وشعري البني، وبشرتي الداكنة، وكأنني شخصٌ غريبٌ عليها.

 

وعند تناول الطعام، تظل صامتةً على غير العادة. أشعر أن وراء هذا الهدوء سرًّا ما، أو سؤالًا مخبأً في أعماقها.

 

آه يا إلهي، إنني أخاف دائمًا من حالتها تلك.

 

كان لديَّ طريقةٌ خاصةٌ في تعليم الصبية؛ علمتها الكتابة على الرمال، والفروسية، والرماية، وتسلق الجبال، إلى أن أصبحت فتاةً قويةً لا تخشى شيئًا، حتى إنني، في بعض الأحيان، أخاف من نظراتها الحادة.

 

لكن ذات صباحٍ ليس ببعيد، كانت تقف شامخةً، وبين يديها قوسها، لكنها سرعان ما وجَّهته تجاهي بيدٍ ثابتة، ووضعت السهم على الوتر، وشدَّته بقوة حتى كاد يئن شوقًا للانطلاق. كان ظهرها مستقيمًا كالرمح، وفي ملامحها هدوء الصياد وثقة الملكة.

 

تقدمتُ آليًّا، وهي لا تزال على حالتها تلك، ثم قالت:

 

“سأسألك سؤالًا، إن كانت الإجابة مقنعةً، سأنزل يدي على الفور. كيف تكون أمي حيوانًا ووالدي بشرًا؟”

 

إذًا، هذا ما كان يشغل عقلها.

 

ازدردتُ ريقي بصعوبة، ثم أخبرتها، بتعاطف، أنها فقدت أمها منذ الصغر، وأن من أرضعتها واعتنت بها هذه الحصانة الوفية.

 

ران الصمت على كلينا بعد هذا الكلام، وبعد قليلٍ تراجعت إلى الخلف، وتركت ما بيدها على الأرض، ثم ركضت مسرعةً نحوها، وجلست بجانبها تداعب شعرها الذهبي، وهي تبتسم لي.

 

تنهدتُ بارتياح، وحمدتُ الله أنها لم تُطل الحديث.

 

ماذا لو عرفت أنني لست والدها الحقيقي، عزيزي القارئ؟

 

لكنها، على كل حال، يبدو أن وتين تعلمت كيف تكون قويةً عندما تفقد أحد أحبائها.

 

فبعد موت شطشوط وذئبوب، انهارت تمامًا، وكان ذلك منذ عامين، لكنها الآن لم تعد كما كانت من قبل؛ فقد تعلمت معنى أن يفقد الإنسان أعزَّ ما يملك، لذلك أظن أنها إن علمت بالحقيقة لن تنهار.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *