الكاتبة عاليا عجيزة
في غياهب سرداب سحيق تحت أطلال مدينة منسية، حيث يخشى النور أن يطأ الأرض، ولا يجرؤ الزمن على تدوين الدقائق، قبعت طاولة الحجر العظيم كمركز ثقل لكونٍ موازٍ من الظلام. لم تكن مجرد قطعة صخرية صماء، بل كانت واجهة لكتاب قديم مفرود، نُقشت حروفه بلغة غابرة لم تكن تُنطق باللسان، بل تُحسّ بالقلوب؛ لغة صيغت من الدم المراق والأرواح المسلوبة عبر القرون. حُفرت الحروف والرموز في دوائر متداخلة، تدور بريبة حول عين القوة المركزية، ترقب كل نفسٍ يُسحب في المكان.
تحلق حول هذه الطاولة تسع شخصيات هائبة. تسعة أجساد ملفوفة في أردية سوداء ثقيلة، كأنها منسوجة من قماش الليل الخالص. لم تكن هناك وجوه ظاهرة، بل مجرد فراغات غائرة مأهولة بالهيبة المطلقة والتكتم. كانت هذه “أخوية الحقيقة”، مجلس الساقطين الذين وهبوا أنفسهم لخدمة الهاوية. هم لا يتحدثون بالكلمات العادية، فصمتهم أشد وطأة من أي صراخ. كانوا يتبادلون الأفكار عبر ترددات العقل المظلمة، في حوار صامت يخترق الجدران.
كسر الصمت صوتٌ لم يكن صوتًا، بل زفرة جليدية حادة في عقل كل حاضر. كانت من العضو الجالس عند رأس الطاولة، الأقدم والأثرى معرفة، الذي بدت يداه الهزيلتان المكسوتان بجلد جاف كأطراف هيكل عظمي. كان يلامس نقوش الطاولة الحجرية برفق، كأنه يقرأ كتابًا غيبيًا.
“لقد انتهى عهد الهدنة،” دوّى فكر الأقدم في عقولهم كالقصف. “لقد تجرأ البشر في الأعلى مرة أخرى على لمس الختم المحرم.”
في الطرف المقابل من الطاولة، حرك عضو آخر يديه ببطء فوق الحفر الغائرة. كان يُعرف في المجلس باسم “الحاصد”. تحركت ظلال ردائه وهو يجيب زافرًا:
“إنهم مجرد بشر، والبشر أغبياء دائمًا، يدفعهم الفضول الأعمى إلى حتفهم المحتوم دون أن يدركوا حجم القوى التي يوقظونها.”
أجاب “القاضي”، العضو الجالس عن يمينه:
“لكن فضولهم الأحمق هو الذي جلب لنا القربان الجديد. الختم لم يُكسر بفعل قوة خارجية قاهرة، بل برغبة داخلية جامحة منهم. هم يبحثون عن الخلود والسيطرة، ونحن سنمنحهم شيئًا مختلفًا تمامًا… سنمنحهم الأبدية في القاع.”
ساد صمت طويل ومطبق، ترددت فيه أنفاس الهاوية الثقيلة. على أرفف خشبية متآكلة، خفية خلف الأقواس الحجرية، كانت الشموع ترتعش. لكنها لم تكن شموعًا من شمع عادي، بل من أرواح محبوسة تُحرق ببطء. كان ضوؤها أزرق شاحبًا ينبض بالخوف، ويلقي بظلال راقصة على جدران السرداب، تبدو للناظر كأيادٍ ملتاعة تحاول الوصول إلى الطاولة الحجرية لتستنجد.
تحدثت “الصامتة”، إحدى العضوات التي لم تحرك ساكنًا منذ بداية الاجتماع:
“القربان جاهز الآن في الأعلى. الروح المحاصرة تقف في حجرة الانتظار. هي ليست روحًا نقية بالكامل، لكنها تحمل شحنة من القوة التي نحتاجها لإكمال الدائرة.”
تحركت يد الأقدم مرة أخرى، هذه المرة لتستقر مباشرة فوق مركز الطاولة، حيث يكمن القلب الحجري المنقوش. بدأ الختم الأصلي يشع بضوء أرجواني باهت وخافت، متناغمًا مع نبضات غريبة تصدر من أعمق نقطة في الأرض.
وقال الأقدم، محددًا المصير:
“يجب أن تبدأ الطقوس فورًا. لا يمكن أن يبقى الباب بين العالمين مفتوحًا لفترة طويلة، دون أن تتسرب منه الأشياء التي لا يجب أن تخرج إلى النور.”
تساءل عضو آخر في أقصى اليسار، بصوت كأنه احتكاك الصخور:
“من سيتولى تنفيذ العقاب هذه المرة؟”
نظر الأقدم بثبات نحو “الحاصد”.
“أنت يا حاصد الأرواح. خذ الروح، وتولَّ أمرها. قدّمها قربانًا خالصًا للهاوية، واحصل على المعرفة التي يستميتون في البحث عنها، ثم حطم بقايا أجسادهم كي لا يقوى أحد على تتبع أثرنا.”
وقف الحاصد ببطء شديد من على كرسيه الحجري. بدا في تلك اللحظة وكأنه يتمدد ويمتد داخل الظلام ليملأ الغرفة بأكملها، وقال بنبرة مليئة باليقين الصارم:
“باسم الظل والعهد القديم، سيتم ذلك قبل أن تشرق الشمس.”
لم تكن الكلمات المكتوبة على الطاولة مجرد قصص أو رموز تزيينية، بل كانت عقدًا أبديًا مكتوبًا بالدم؛ عقدًا بين هؤلاء الساقطين وبين الهاوية التي تغذي قوتهم. لم يكن في هذا المكان أي مجال للمغفرة أو الرحمة، ولم يكن هناك أي أمل للنجاة. كان هناك فقط الظلام، وصدى الكلمات الميتة التي أعلنها المجلس، صدى سيدوم طالما بقيت هذه الصخور قائمة في أعمق نقطة من العالم.
في تلك اللحظة بالذات، وفي غرفة مظلمة فوق سطح الأرض بمسافات طويلة، بدأت الروح الجديدة — روح ذلك الإنسان الذي تجرأ على الحلم بأكثر مما يحق له — تشعر ببرودة غريبة ومرعبة تتسلل إلى أعماق وجودها. برودة قادمة من أسفل القاع، من مكان لا يزوره سوى الساقطون. لقد أُغلقت الدائرة، وبدأت الطقوس، ولم يعد هناك مفر.
![]()
