...
IMG 20260820 WA0010

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

مرت أيام قليلة بعد الخروجة التي رتبتها منة لأحمد

 

لكن أثر ذلك اليوم لم يمر بسهولة

 

كان أحمد كلما تذكر تفاصيله ابتسم

 

لم يكن أكثر ما أسعده الأماكن التي ذهبوا إليها

 

ولا الوقت الذي قضوه معًا

 

ولا حتى وجود والدته ووالدة منة معهما

 

كان أكثر ما بقي في قلبه هو ذلك الشعور الذي تركته منة بداخله

 

شعور أن هناك شخصًا آخر يفكر فيه كما يفكر هو فيها

 

أن هناك من يلاحظ تعبه

 

ويحاول أن يفرحه

 

ويصنع له يومًا كاملًا فقط لأنه يستحق أن يبتسم

 

ولهذا

 

عندما اقترب المولد

 

وجد أحمد نفسه يفكر في منة أكثر من المعتاد

 

كان يعلم أن ظروفه المادية في تلك الفترة لم تكن أفضل ما يكون

 

وكان يحسب كل شيء قبل أن يشتريه

 

يعرف أين يضع ماله

 

وما الذي يستطيع تأجيله

 

وما الذي لا يستطيع

 

وكان يعرف أن شراء حلوى المولد لن يكون أمرًا مستحيلًا

 

لكن ربما لن يستطيع أن يفعل ما كان يتمنى أن يفعله

 

كان يستطيع أن يشتري شيئًا بسيطًا

 

لكنه كان يتمنى أن يصنع لها يومًا كاملًا

 

أن يشعرها أن المولد جاء إليها هي أيضًا

 

وليس مجرد مناسبة تمر

 

وفي صباح أحد الأيام

 

كان أحمد جالسًا يفكر

 

ثم ابتسم فجأة

 

وقال لنفسه

 

أنا مش لازم أجيب لها حاجة غالية

 

أنا ممكن أخلي اليوم نفسه حلو

 

ومن هنا بدأت الفكرة

 

لم يكن يريد أن يجعل منة تنتظر هدية

 

بل كان يريد أن يجعلها تشعر أن وجوده في حياتها هو الهدية

 

أمسك هاتفه واتصل بها

 

قالت

 

ألو

 

قال

 

صباح الخير

 

قالت

 

صباح النور

 

قال

 

إنتي عاملة إيه

 

قالت

 

كويسة

 

قال

 

طب عندي طلب

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

النهارده عايزك تسمعي كلامي

 

ضحكت وقالت

 

ليه

 

قال

 

عشان عندي حاجة

 

قالت

 

حاجة إيه

 

قال

 

مفاجأة

 

قالت

 

أنت تاني

 

قال

 

آه

 

قالت

 

ماشي

 

لكنها لم تكن تعرف ماذا يفكر فيه

 

ولا تعرف أنه قضى وقتًا طويلًا يحاول أن يجعل يومها مختلفًا

 

بدأ أحمد من أبسط الأشياء

 

اتصل بها في الصباح مبكرًا

 

وقال لها

 

كل سنة وإنتي طيبة

 

قالت

 

وإنت طيب

 

قال

 

بس أنا مش هقولك كل سنة وإنتي طيبة وخلاص

 

قالت

 

أمال

 

قال

 

النهارده يومك

 

ضحكت منة

 

وقالت

 

يومي أنا

 

قال

 

آه

 

قالت

 

إزاي يعني

 

قال

 

هتعرفي

 

ثم أغلق المكالمة

 

وبدأت منة تضحك

 

كانت تعرف أحمد

 

وتعرف أنه عندما يقول كلمة مفاجأة

 

فهو بالفعل يخطط لشيء

 

لكنها لم تكن تعرف أن المفاجأة هذه المرة لم تكن في كيس

 

ولا في علبة

 

ولا في حلوى

 

كانت في إحساس كامل أراد أن يصنعه لها

 

بعد وقت قصير

 

اتصل بها مرة أخرى

 

وقال

 

افتحي الشباك

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

افتحي بس

 

قالت

 

إنت فين

 

قال

 

مش مهم

 

فتحت منة النافذة

 

ونظرت حولها

 

لم تجد أحمد

 

قالت

 

مش شايفاك

 

قال

 

أنا مش موجود

 

قالت

 

أمال فتحت الشباك ليه

 

قال

 

بصي في السما

 

قالت

 

في إيه

 

قال

 

مفيش

 

بس عايزك تشوفي الصبح

 

ضحكت وقالت

 

إنت بتضحك عليا

 

قال

 

لا

 

أنا بس عايز أبدأ يومك بحاجة بسيطة

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

إنك تبصي للحاجة الحلوة اللي حواليكي

 

وبعدين قال

 

أنا عارف إن الظروف الفترة دي مش أحسن حاجة

 

وعارف إني مش قادر أعمل كل اللي نفسي أعمله

 

لكن كنت عايزك تعرفي إن المناسبة دي ما عدتش عليا عادي

 

لأنك بقيتي جزء من كل مناسبة عندي

 

سكتت منة

 

وكانت الكلمات قد دخلت قلبها بطريقة لم تكن تتوقعها

 

ثم قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أنا مش مستنية منك حاجة

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

لا

 

إنت يمكن مش عارف

 

أنا فعلًا مش مستنية منك حلوى

 

ولا هدية

 

ولا أي حاجة

 

أنا مبسوطة إنك فاكر

 

قال

 

بس نفسي أفرحك

 

قالت

 

إنت بتفرحني لما تفتكرني

 

قال

 

بس أنا عايز أعمل أكتر

 

قالت

 

إنت بتعمل أكتر

 

قال

 

إزاي

 

قالت

 

عشان إنت مش بتفتكرني في المناسبات بس

 

إنت فاكرني كل يوم

 

سكت أحمد

 

ثم ابتسم

 

وقال

 

طب استني

 

قالت

 

في إيه

 

قال

 

لسه اليوم طويل

 

وبالفعل

 

كان قد أعد لها شيئًا آخر

 

لم يكن شيئًا مكلفًا

 

لكنه كان مليئًا بالتفاصيل

 

أرسل لها بعض الصور التي التقطها في الطريق

 

أضواء

 

وزينة

 

وأماكن امتلأت بأجواء المولد

 

ثم قال لها

 

عايزك النهارده تعيشي الجو

 

قالت

 

أنا عايشاه

 

قال

 

لا

 

لسه

 

قالت

 

أمال

 

قال

 

هخليكي تسمعي صوت المولد وإنتي في البيت

 

ثم بدأ يرسل لها مقاطع صوتية قصيرة من الأجواء التي كان يمر بها

 

وكان كلما وجد شيئًا يذكره بها

 

صوره

 

ثم أرسله لها

 

قالت

 

إنت بتصور كل حاجة ليه

 

قال

 

عشان أحس إنك معايا

 

قالت

 

أنا معاك أصلًا

 

قال

 

عارف

 

بس نفسي أشاركك اليوم

 

كانت منة سعيدة

 

ليس لأنها حصلت على شيء

 

بل لأنها شعرت أن أحمد يحاول أن يجعلها جزءًا من يومه

 

وفي المساء

 

قال لها

 

البسي حاجة حلوة

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

عشان الليلة دي مختلفة

 

قالت

 

إنت هتعمل إيه

 

قال

 

هشوفك

 

قالت

 

فين

 

قال

 

مش هقول

 

قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

إنت بقيت بتحب المفاجآت زيادة

 

قال

 

من ساعة ما اتعلمت منك

 

وفي المساء

 

تقابلا في مكان قريب

 

وكان أحمد قد أحضر لها شيئًا بسيطًا جدًا

 

علبة صغيرة

 

نظرت إليها منة

 

ثم إليه

 

وقالت

 

إيه ده

 

قال

 

افتحي

 

فتحتها

 

وجدت بداخلها قطعة صغيرة من حلوى المولد

 

شيء بسيط

 

لا يساوي الكثير من المال

 

لكنها ظلت تنظر إليه طويلًا

 

ثم رفعت عينيها إلى أحمد

 

وقالت

 

إنت جبتها لي

 

قال

 

آه

 

قالت

 

بس دي صغيرة

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

أنا مش قصدي كده

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

قصدي إنك فاكرني

 

قال

 

أنا ممكن ما أقدرش أجيب لك كل اللي نفسي فيه

 

بس مستحيل مناسبة تعدي وإنتي مش في بالي

 

ابتسمت منة

 

ثم قالت

 

أنا أصلًا كنت هزعل لو جبتلي حاجة كبيرة

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

عشان عارفة ظروفك

 

قال

 

أنا مش عايزك تشيلي هم ده

 

قالت

 

وأنا مش شايلة هم

 

ثم أمسكت العلبة

 

وقالت

 

دي بالنسبة لي أحلى من أي علبة كبيرة

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

عشان أنت اللي اخترتها

 

قال

 

عشانك

 

قالت

 

وعشان فاكرني

 

قال

 

دايمًا

 

سكتت منة

 

ثم قالت

 

تعرف إيه اللي أنا نفسي فيه

 

قال

 

إيه

 

قالت

 

نفسي لما نتجوز

 

وفي كل مناسبة

 

حتى لو ما معاكش فلوس

 

تفضل تفتكرني

 

قال

 

هو ده وعد

 

قالت

 

وعد

 

قال

 

وأنا عايز منك وعد كمان

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

لو في يوم ما قدرتش أجيب حاجة

 

ما تفتكريش إني نسيتك

 

قالت

 

إنت ممكن تنسى نفسك

 

بس مش ممكن تنساني

 

ابتسم أحمد

 

وقال

 

عرفتي منين

 

قالت

 

عشان أنا شايفاك

 

وكانت تلك الجملة كافية لتجعل أحمد يصمت

 

لأنها لم تكن تقصد أنها تراه بعينيها

 

كانت تقصد أنها أصبحت تعرفه

 

تعرف خوفه

 

وتعرف ظروفه

 

وتعرف عندما يحاول أن يخفي تعبه

 

وتعرف أن وراء كل شيء بسيط يفعله لها

 

قلبًا يريد أن يقول لها

 

أنا بحاول

 

حتى لو مش قادر أعمل كل اللي نفسي فيه

 

لكن أنا بحاول

 

وفي طريق العودة

 

قالت منة

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أنا عايزة أقولك حاجة

 

قال

 

قولي

 

قالت

 

إنت النهارده ما جبتليش حلوى المولد

 

قال

 

أومال

 

قالت

 

إنت جبتلي اهتمامك

 

ضحك أحمد

 

وقال

 

يعني العلبة طلعت مالهاش لازمة

 

قالت

 

لا

 

دي هخليها عندي

 

قال

 

هتعملي إيه بيها

 

قالت

 

هفتكر بيها اليوم ده

 

قال

 

كل ده عشان قطعة حلوى

 

قالت

 

لا

 

عشان الشخص اللي جابها

 

ثم سكتت قليلًا

 

وأضافت

 

وأنا عايزة أقولك حاجة أهم

 

قال

 

إيه

 

قالت

 

ما تحاولش تثبتلي كل يوم إنك قادر على كل حاجة

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

عشان أنا أصلًا شايفة قيمتك من غير كل ده

 

قال

 

بس أنا بحب أفرحك

 

قالت

 

وأنا بحب إنك تفرحني

 

بس لو يوم الظروف قالت لك مش قادر

 

قولي

 

ما تخبيش

 

وما تحاولش تعمل حاجة فوق طاقتك عشاني

 

قال أحمد

 

وإنتي

 

قالت

 

أنا هكون جنبك

 

قال

 

حتى لو ما جبتش حلوى المولد

 

ضحكت وقالت

 

حتى لو ما جبتش حلوى المولد

 

قال

 

دي أهم جملة

 

قالت

 

وأنا أهم حاجة عندي إنك تفضل فاكرني

 

قال

 

أنا فاكر كل حاجة تخصك

 

قالت

 

حتى إيه

 

قال

 

حتى المصاصات

 

ضحكت منة بشدة

 

وقالت

 

إنت لسه فاكر المصاصات

 

قال

 

دي أول مرة شفت فيها فرحتك بالشكل ده

 

قالت

 

أنا وقتها كنت مبسوطة أوي

 

قال

 

أنا كنت مبسوط أكتر

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

لأني اكتشفت إن حاجات بسيطة مني ممكن تخليكي سعيدة

 

قالت

 

وعشان كده النهارده أنت حاولت تفرحني بحاجة بسيطة

 

قال

 

آه

 

قالت

 

ونجحت

 

قال

 

بجد

 

قالت

 

جداً

 

كانا يسيران ببطء

 

والليل حولهما يحمل أجواء المولد

 

والأضواء في كل مكان

 

والناس تتحرك

 

والضحكات تتداخل

 

لكن أحمد لم يكن يرى من كل ذلك إلا منة

 

ومنة لم تكن ترى في اليوم كله إلا ذلك الاهتمام الذي حاول أحمد أن يحيطها به

 

وفي لحظة هدوء

 

قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أنا عايزة أفضل فاكرة اليوم ده

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

عشان يوم بسيط

 

بس حسيت فيه إني غالية عندك

 

توقف أحمد قليلًا

 

ثم قال

 

إنتي غالية عندي من أول يوم

 

قالت

 

وأنت غالي عندي

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

طب إيه

 

قال

 

ولا حاجة

 

بس كنت محتاج أسمعها

 

ابتسمت

 

وقالت

 

اسمعها كل ما تحتاجها

 

ثم أكملت

 

أنا بحبك

 

نظر إليها أحمد

 

وقال

 

وأنا بحبك أكتر

 

قالت

 

مفيش أكتر

 

قال

 

في

 

قالت

 

فين

 

قال

 

في كل يوم جديد

 

وفي كل موقف جديد

 

وفي كل مرة بتخليني أحس إن اختياري ليكي كان صح

 

ابتسمت منة

 

وأمسكت العلبة الصغيرة في يدها

 

كأنها تحمل شيئًا أغلى بكثير من قيمته الحقيقية

 

لأنها في تلك الليلة

 

لم تكن تحمل حلوى المولد

 

كانت تحمل ذكرى

 

ذكرى رجل لم تكن ظروفه تسمح له بالكثير

 

لكنه لم يسمح لظروفه أن تمنعه من أن يقول لها

 

أنا فاكرِك

 

وأنا هنا

 

وأنتي مهمة عندي

 

وعندما عاد أحمد إلى بيته

 

جلس قليلًا وحده

 

وكان يفكر في شيء واحد

 

أن الحب لم يعد بالنسبة له مجرد مشاعر جميلة

 

الحب أصبح تفاصيل

 

مكالمة

 

سؤال

 

مصاصة

 

قطعة حلوى

 

خروجة

 

دعوة

 

كلمة في وقتها

 

وأن أجمل ما يمكن أن يعطيه الإنسان لمن يحب

 

ليس دائمًا شيئًا يستطيع شراؤه بالمال

 

أحيانًا يكون كل ما يملكه

 

هو قلبه

 

ووقته

 

واهتمامه

 

وصدق مشاعره

 

وفي تلك الليلة

 

أرسلت له منة رسالة قصيرة

 

قالت فيها

 

كل سنة وإنت معايا

 

قرأ أحمد الرسالة

 

ثم ابتسم

 

وكتب لها

 

كل سنة وإنتي في قلبي

 

ثم أضاف

 

وكل سنة وإحنا بنقرب أكتر من اليوم اللي هتبقي فيه قدامي مش على شاشة التليفون

 

جاء ردها بعد لحظات

 

وقالت

 

اليوم ده هييجي

 

قال

 

وأنا مستنيه

 

قالت

 

وأنا كمان

 

ثم أرسلت له قلبًا

 

ووضع أحمد الهاتف بجواره

 

وابتسم

 

فقد كان يعلم أن الطريق ما زال طويلًا

 

لكن كل يوم يمر

 

كان يجعل المسافة بينهما وبين ذلك البيت الذي يحلمان به

 

أقصر قليلًا

 

وكانت منة في تلك الليلة

 

تنظر إلى قطعة الحلوى الصغيرة

 

وتبتسم

 

لأنها فهمت شيئًا مهمًا

 

أن الحب الحقيقي لا يُقاس بحجم الهدية

 

بل بحجم المكان الذي يحتله الإنسان داخل قلب من يحبه

 

وكان أحمد قد ترك لها في ذلك اليوم

 

شيئًا لا تشتريه أي حلوى في الدنيا

 

ترك لها إحساسًا واحدًا

 

أنها

 

في باله دائمًا.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *