الكاتبة عاليا عجيزة
أعادت مريم وضع الغطاء على القلم، وأسندت ظهرها إلى المقعد الخشبي العتيق، بينما كانت نظراتها تتأمل قطرات الندى المتجمعة على زجاج النافذة. خُيِّل إليها للوهلة الأولى أن الكلمات التي دونتها للتو في ردها قد حسمت كل شيء، لكن داخلها كان يعلم أن الحوار مع الذات لا ينتهي بكتلة من السطور المكتوبة، بل يبدأ منها. كان صوت الريح في الخارج يحمل نبرة شتوية دافئة، وكأن المكان بأسره يفسح لها المجال لتغوص في عمق تلك العاطفة التي طالما هربت منها: عاطفة المواجهة مع المخاوف القادمة.
أمسكت القلم مجددًا، ونظرت إلى الكوب الذي بدأ يبرد تدريجيًا، ثم سحبت ورقة جديدة ناصعة البياض من درج الطاولة. لم تكن هذه المرة تجيب عن الماضي، بل كانت تفتح بابًا نحو ما هو قادم؛ نحو المستقبل الذي لم يعد يرهبها بابه المغلق كما كان يفعل في السابق.
كتبت بخط سلس وأكثر هدوءًا:
«إلى ذاتي التي ستمر من هنا بعد عشر سنوات أخرى…
أعلم أنكِ ربما تقرئين هذه السطور في زاوية مختلفة من العالم، أو ربما على نفس هذه الطاولة وتحت ذات الضوء الخافت. لا أعلم إن كانت شعيرات شائبة قد بدأت تتسلل إلى شعركِ الداكن، أو إن كانت التجاعيد البسيطة حول عينيكِ قد أصبحت أكثر عمقًا، معلنةً عن كثرة الضحك أو كثرة التأمل.
لكن ما أتمناه حقًا هو أن تكوني قد حافظتِ على هذه المساحة من الهدوء التي انتزعتها لنفسي اليوم بعد طول صراع.»
توقفت لحظة، وترشفت ما تبقى من الشاي. تذكرت كيف كانت في سنواتها الماضية تفكر في المستقبل بصفته ساحة معركة؛ تجري فيها الحسابات الدقيقة للنجاح والفشل، وتتراكم فيها المخاوف من الفقدان والوقت الذي يتسرب من بين الأصابع.
كانت تظن أن التقدم في العمر يعني بالضرورة خسارة الشغف، لكنها تدرك الآن أن النضج الحقيقي ينزع عن النفس أوثاق التوتر، ويمنحها بدلًا منها حكمة القبول.
واصلت الكتابة بتدفق واسترسال:
«أتمنى أن تكوني قد تعلمتِ كيف تخوضين الأيام دون أن تحملي الهموم بأسلوب استنزافي، وأن تكوني قد أتقنتِ فن التخلي عن كل ما يعكر صفو روحكِ دون ندامة أو شعور بالذنب. أتمنى أن تكون روابطكِ بالناس من حولكِ قد أصبحت أكثر عمقًا وأقل عددًا، وأن تكوني قد أحطتِ نفسكِ بأولئك الذين يحبون وجودكِ البسيط، لا إنجازاتكِ ولا أدواركِ التي تؤدينها على مسرح الحياة.»
مالت بجسدها نحو النافذة لبرهة، وتابعت حركة نبتتها الصغيرة الموضوعة في حوض الفخار. كانت أوراقها الخضراء تتجه بنعومة نحو الضوء الخارجي، مشهد بسيط، لكنه حمل إليها معنى جليًا عن التطور التلقائي الذي يحدث دون ضجيج.
تابعت السطور:
«لا تخافي من الأيام التي لم تأتِ بعد. إن أجمل ما تعلمته في مرحلتي هذه هو أن القوة لا تكمن في التحكم بكل المجريات، بل في المرونة التي نستقبل بها المنحنيات غير المتوقعة.
إن الرسالة الحقيقية التي أود غرسها في أعماقكِ للمستقبل هي ألا تفزعي إن تغيرت الأحلام، فالتغير علامة على أنكِ على قيد الحياة وتتطورين. قد تتبدل الشغاف، وقد تتغير الوجهات، لكن المهم هو ألا تفقدي قدرتكِ على تذوق هذه اللحظات الصغيرة: دفء الفنجان بين يديكِ، رائحة المطر، وصدق المشاعر التي تمنحينها لنفسكِ وللآخرين.»
أنهت مريم كتابة الفقرة الأخيرة، ثم طوت الورقتين معًا، وضعت الأولى التي تحتوي أسئلة الماضي مع الثانية التي تحمل وصايا الحاضر للمستقبل. وضعتهما جميعًا داخل الظرف الخزفي، وختمته بهدوء.
نظرت إلى إبريق الشاي، ورأت البخار قد تلاشى تمامًا، ليحل محله سكون تام يملأ الغرفة. لم تعد تشعر بتلك الرغبة الملحة في معرفة ما الذي تسفر عنه الأيام القادمة، فقد أدركت أن المستقبل ليس مكانًا نصل إليه ونستقر فيه، بل هو النتيجة الطبيعية لكل لحظة نعيشها الآن بصدق وسكينة، بعيدًا عن التكلف وركض الأوهام.
رفعت الظرف وأودعته في مكان أمين، ومضت تسير في يومها بخطى واثقة وهادئة.
![]()
