الكاتب اليمني: محمد طاهر سيار الخميسي
أيُّ عالمٍ هذا الذي نحياه؟ وأيُّ زمانٍ هذا الذي نلاقيه؟
عالمٌ تلمع فيه الوجوه… وتُخفى فيه النوايا.
عالمٌ تُباع فيه الضمائر… وتُشترى فيه الأصوات.
عالمٌ نغفو فيه على الألم… ونستيقظ فيه على الوهم.
آهٍ، لو أصحو يومًا في عالمٍ بلا مجاملات… ووطنٍ بلا أقنعة…
لقد طغى على بهائه النفاق والشقاق، وتسوَّدت صحائفه بالمجاملات الكاذبة والكذب والبهتان، وتلطخت أسطره بالرياء والمداهنة.
إلى وطنٍ تربى أبناؤه على الكرامة والثقافة، وعلى اتخاذ القرار، وعلى إعلاء الكلمة، وعلى قول الحق في وجه الجبابرة في الداخل وفي الخارج.
وطنٍ لا حرب فيه ولا دمار، ولا تنازع على المصالح ولا قتال على الكراسي.
وطنٍ يعيش في أمان، تُبنى فيه المدارس قبل الثكنات، وتُشيد فيه المصانع قبل المتارس.
وطنٍ ينهض بالعلم والرقي والعمران، وتزهو فيه حضارة يمنية جديدة… امتدادٌ لسبأ وحمير، ولقوافل البخور، ولناطحات صنعاء القديمة، ولسدود مأرب التي سقت الأرض.
وطنٍ يذرو فيه كلُّ ذي حقدٍ حقده في مهب الريح، ويلقي كلُّ ذي ضغينةٍ ضغينته في لُجَّة البحر، فيتصافحون تصافي الإخوان، ويتعاهدون عهد الأمان، ويفتحون صفحةً بيضاء ناصعة لا تُلطخها المجاملة.
لا نريد دولة…
لا نريد دولة بلا خدمات، ولا دولة تولد الحصار والأزمات.
ولا دولة حكامها يتبعون أجندات دول لا تريد لنا إلا أن نكون ممزقين وتابعين لها.
نريد وحدةً يمنيةً يصطف فيها كل الأطراف، ويتحد فيها كل الجيوش، تحت راية واحدة، وهدف واحد: اليمن أولًا.
فنبدأ حياةً جديدة: رغيدة سعيدة، عامرة بالأمل والأمان والسلام.
حياةً بلا كلماتٍ معسولة تخفي خنجرًا،
بلا خلافاتٍ فتَّاكة تُشعلها حروب الغبراء، ولا نعراتٍ جاهلية تُوقدها ناقة البسوس،
بلا دموعٍ ساخنة، ولا دماءٍ سافكة،
بلا خرابٍ موجع، ولا دمارٍ ماحق،
بلا قهرٍ مُذلٍّ يُغلَّف بمجاملة، ولا ذلٍّ مُهين.
حياةٌ لا يضمر فيها قلبٌ لأخيه كرهًا ولا حقدًا، ويقول الحق في وجهه بلا لفٍّ ولا دوران،
بل تفيض بالحب الصادق، والمودة الخالصة، والأخوة الراسخة، والتسامح الواسع.
ويزرعون السلام في كل وادٍ وبادٍ،
سلامًا للفقير العاري نقوله بصراحة قبل الغني الكاسي، وللمظلوم الباكي ننصفه جهرًا قبل الظالم القاسي.
وطنٌ لا نرضى فيه بغير الحق.
ولكن هيهات هيهات، وألف هيهات،
أن تتحقق هذه الأمنيات، في عالمٍ أساسه المجاملة، وقانونه المداهنة.
في وطنٍ يطمع فيه الغازي، وينهب ثرواته الطامع، ويُباع قراره في أسواق النخاسة.
لا… ألف لا.
لا نرضى بغازٍ يدوس أرضنا، ولا بطامعٍ ينهب خيراتنا، ولا بسارقٍ يسرق حضارتنا.
نحن أبناء سبأ، وأحفاد بلقيس، وحماة الأرض من المهرة إلى صعدة.
لا نقف مع باطلٍ أبدًا، ولا نصطف إلا مع الحق، ولا ننصر إلا الدين، ولا نركع إلا لله.
فاسمعوها مني صريحةً مدويةً بلا مجاملة:
قلمي لا يركع للأغنياء المتكبرين، ولا يطأطئ للظالمين المجرمين مداهنة.
قلمي قلم الفقراء الجائعين، والمظلومين المكلومين، والمقهورين المحرومين.
لا يجامل المتصنعين المتلونين، ولا يساير المنافقين ولو صفق لهم الجميع.
قلمي إن نطق جلد، وإن كتب حفر، وإن صرخ زلزل… بلا مجاملة.
فجامِلوا ما شئتم، ونافقوا ما شئتم، واقتسموا المصالح كما شئتم…
أما أنا، فقلمي شاهدٌ لا يجامل، ولساني صوتٌ لا يداهن،
وسأظل أكتب للوطن العاري، حتى يلبس ثوب العز،
وأكتب للحق حتى ينتصر، وأكتب للدين حتى يُرفع،
وأكتب للوحدة حتى يتوحد السيف والبندقية،
أو أُدفن والحبر في يدي، وعلى جبيني تراب اليمن.
![]()
