...
IMG 20260908 WA0004

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

ظل الصندوق الأسود فوق الطاولة.

 

لم يقترب منه أحد.

 

كانت كلمات أمينة لا تزال معلقة في المكان:

 

“نور لم تكن أول طفلة.”

 

قال آدم:

 

“افتحي الصندوق.”

 

نظرت أمينة إليه طويلًا.

 

ثم قالت:

 

“قبل ما أفتحه، لازم تعرفوا إن اللي جواه هو السبب الحقيقي وراء كل اللي حصل لكم.”

 

قالت ليان:

 

“إحنا جاهزين.”

 

وضعت أمينة يدها على الغطاء.

 

فتحته.

 

في البداية لم يروا سوى قطعة قماش قديمة.

 

ثم رفعت أمينة القماش.

 

ظهر أسفلها مفتاح حجري صغير.

 

وفي أسفله ورقة صفراء.

 

فتحتها مريم.

 

لكنها ما إن قرأت أول سطر حتى توقفت.

 

قال آدم:

 

“إيه؟”

 

لم تجب.

 

أخذ الورقة منها.

 

قرأ:

 

“الطفل الأول… ليس من دمنا.”

 

ثم سطر آخر:

 

“إنه ابن الموت الذي لم يمت.”

 

رفع آدم عينيه.

 

“يعني إيه؟”

 

قالت أمينة:

 

“تعالوا.”

 

تقدمت نحو الحائط.

 

وضعت المفتاح الحجري في فتحة صغيرة لم يلاحظها أحد.

 

تحرك الجدار ببطء.

 

ظهر ممر ضيق.

 

دخل الأربعة خلفها.

 

كان الممر ينزل إلى أسفل.

 

كلما نزلوا، أصبح الهواء أكثر برودة.

 

حتى وصلوا إلى قاعة واسعة.

 

وفي منتصفها…

 

كانت هناك مومياء صغيرة محفوظة داخل تابوت زجاجي.

 

توقفت نور.

 

وضعت يدها على رأسها.

 

قالت:

 

“أنا شفت ده.”

 

اقترب آدم.

 

“فين؟”

 

قالت:

 

“في الذاكرة.”

 

أما مريم…

 

فكانت تنظر إلى المومياء دون أن تتحرك.

 

فجأة وضعت يدها على صدرها.

 

تسارعت أنفاسها.

 

قالت ليان:

 

“مريم؟”

 

لم تجب.

 

بدأت صور خاطفة تمر أمام عينيها.

 

صحراء.

 

معبد.

 

مشاعل.

 

رجل يرتدي ملابس ملكية.

 

طفل صغير.

 

ثم صوت رجل يقول:

 

“احفظوا كل شيء داخله.”

 

صرخت مريم:

 

“أوقفوا الصورة!”

 

لكنها لم تكن صورة.

 

كانت ذاكرة.

 

ذاكرة لم تكن تعرف أنها تحملها.

 

قالت أمينة:

 

“بدأت.”

 

نظر آدم إليها.

 

“إيه اللي بدأ؟”

 

قالت:

 

“الجزء الذي وُضع داخل مريم.”

 

تراجعت ليان.

 

“إنتِ كنتِ عارفة؟”

 

قالت أمينة:

 

“نعم.”

 

ثم نظرت إلى مريم.

 

“لكنه لم يكن نشطًا.”

 

اقتربت مريم من المومياء.

 

وفجأة قالت:

 

“أعرفه.”

 

سأل آدم:

 

“تعرفي مين؟”

 

قالت:

 

“والده.”

 

ثم أغمضت عينيها.

 

بدأت تتحدث وكأنها ترى الماضي أمامها:

 

“كان رجلًا من كبار رجال الدولة في عصر الدولة الحديثة.”

 

ثم قالت:

 

“وكان اسمه…”

 

توقفت.

 

جاء الاسم إلى ذاكرتها بوضوح:

 

“رمسيس.”

 

قالت ليان:

 

“رمسيس مين؟”

 

قالت مريم:

 

“رمسيس الثاني.”

 

ثم أكملت:

 

“لكن الطفل لم يكن ابن رمسيس الثاني.”

 

نظر إليها آدم باستغراب.

 

“إذن ابن مين؟”

 

قالت:

 

“كان من نسل الأسرة الملكية، وكان أبوه أحد رجال القصر المقربين من رمسيس الثاني.”

 

ثم أضافت:

 

“والمعلومة دي وصلت إلينا من خلال الذاكرة، وليست حقيقة تاريخية مثبتة عن المومياء نفسها.”

 

تنفست بعمق.

 

“اسمه كان نخت آمون.”

 

قالت أمينة:

 

“كملي.”

 

قالت مريم:

 

“كان طفلًا شديد الذكاء.”

 

“وكان أبوه يعتقد أن المعرفة لا يجب أن تموت مع الإنسان.”

 

ثم ظهرت صورة أخرى في ذهنها.

 

رجل يجلس بجوار ابنه.

 

يضع يده على رأسه.

 

ويقول:

 

“حين تذهب إلى العالم الآخر، ستحتاج إلى أن تعرف كل شيء.”

 

قال آدم:

 

“كانوا بيعتقدوا إن الروح بتروح للعالم الآخر.”

 

أومأت مريم.

 

“نعم.”

 

ثم قالت:

 

“والأب أراد أن يحمل ابنه معرفة البيت، والجيش، والزراعة، والطب، والنجوم، والطرق، واللغات، وأسرار الدولة.”

 

قالت ليان:

 

“كل ده داخل طفل؟”

 

قالت مريم:

 

“ليس داخل جسده بطريقة عادية.”

 

ثم نظرت إلى المومياء.

 

“داخل شيء يسمونه في هذه القصة ذاكرة النبض.”

 

ساد الصمت.

 

قالت مريم:

 

“بعد وفاة الطفل، حاول الأب أن يحفظ كل ما يعرفه داخل جسده، معتقدًا أن الروح عندما تنتقل إلى العالم الآخر ستستعيد تلك المعرفة، فيستطيع ابنه أن يحكم ويقود كما لو أن حياته لم تنتهِ.”

 

ثم قالت:

 

“لكن ما حدث كان أكبر من توقعه.”

 

اقترب آدم.

 

“إيه اللي حصل؟”

 

قالت:

 

“الذاكرة لم تختفِ.”

 

“فضلت موجودة.”

 

“ومع مرور آلاف السنين…”

 

نظرت إلى المومياء.

 

“تحولت إلى مخزن معرفة.”

 

قالت نور:

 

“وده اللي اكتشفه سليم وعاصم.”

 

أومأت أمينة.

 

“نعم.”

 

ثم قالت:

 

“أول اكتشاف حقيقي لهم لم يكن القطعتين.”

 

“كان هذه المومياء.”

 

قال آدم:

 

“وليه خبوها؟”

 

أجابت:

 

“لأنهم اكتشفوا أن الذاكرة الموجودة داخلها لا تتعلق بشخص واحد.”

 

ثم قالت:

 

“بل تحمل معلومات عن أشياء كثيرة من الحضارة القديمة.”

 

“طرق.”

 

“معارف.”

 

“خرائط.”

 

“رموز.”

 

“وأماكن لم يتم اكتشافها بعد.”

 

قالت ليان:

 

“يعني لو المنظمة وصلت لها…”

 

قالت أمينة:

 

“لن تكون مجرد سرقة أثر.”

 

ثم نظرت إليهم.

 

“ستكون سرقة جزء من ذاكرة حضارة كاملة.”

 

صمت آدم.

 

ثم قال:

 

“وعشان كده قسموا الذاكرة؟”

 

أومأت مريم.

 

“نور حملت الجزء الأول.”

 

“ثم آدم حمل الجزء الثاني.”

 

“وليان حملت الجزء الثالث.”

 

سأل آدم:

 

“والجزء الرابع؟”

 

نظرت مريم إلى نفسها.

 

لم تجب.

 

كانت تعرف.

 

قالت:

 

“أنا.”

 

تغير وجهها.

 

“لكنني لم أكن أعرف.”

 

قالت أمينة:

 

“ولا كان من المفترض أن تعرفي.”

 

قالت مريم:

 

“إذن لماذا أنا؟”

 

أجابتها:

 

“لأنك كنتِ أقرب شخص يمكن أن يحمل الجزء الأخير دون أن يعرف أنه يحمله.”

 

ثم قالت:

 

“كان يجب أن تظل الأجزاء منفصلة.”

 

قال آدم:

 

“ليه؟”

 

أجابت أمينة:

 

“لأن اجتماعكم قبل الوقت المناسب كان سيكشف مكان المومياء بالكامل.”

 

ثم قالت:

 

“ولو وصلت المنظمة إليكم وأنتم مجتمعون، لكان بإمكانها استخدام ذاكرتكم للوصول إلى كل ما أخفاه سليم وعاصم.”

 

قالت ليان:

 

“يعني إحنا كنا المفاتيح.”

 

أجابتها:

 

“أنتم المفاتيح والأبواب في الوقت نفسه.”

 

فجأة…

 

تحركت المومياء داخل التابوت.

 

لم تكن حركة جسد.

 

بل ظهر ضوء خافت أسفل التابوت.

 

وانفتحت شاشة صغيرة.

 

ظهرت عليها خريطة لمصر.

 

ثم بدأت نقاط كثيرة تظهر.

 

قالت نور:

 

“دي أماكن؟”

 

أجابت مريم:

 

“نعم.”

 

ثم ظهرت أسماء.

 

الأقصر.

 

سقارة.

 

أبو سمبل.

 

الفيوم.

 

الواحات.

 

ثم ظهرت نقطة حمراء واحدة.

 

لم تكن في مكان أثري معروف.

 

قال آدم:

 

“إيه المكان ده؟”

 

قالت أمينة:

 

“المكان الذي تبحث عنه المنظمة منذ سنوات.”

 

قالت ليان:

 

“وليه؟”

 

أجابتها:

 

“لأنهم يعتقدون أن هناك دليلًا يستطيعون من خلاله إعادة كتابة تاريخهم.”

 

قال آدم:

 

“تقصدين جهة بتحاول تنسب حضارة مصر القديمة لنفسها؟”

 

قالت أمينة:

 

“نعم.”

 

ثم أضافت:

 

“ولهذا السبب لا يمكن أن نترك هذه المومياء هنا.”

 

نظر آدم إليها.

 

“إذن نسلمها للجهات المختصة بالآثار.”

 

أومأت.

 

“هذا هو الطريق الصحيح.”

 

لكن نور لم تتحرك.

 

كانت تنظر إلى المومياء.

 

ثم قالت:

 

“لسه فيه حاجة.”

 

اقتربت من الزجاج.

 

“أنا حاسة بيها.”

 

سألها آدم:

 

“إيه؟”

 

قالت:

 

“في ذاكرة ثانية.”

 

قالت مريم:

 

“فين؟”

 

أشارت نور إلى رأس المومياء.

 

“مش داخلها.”

 

ثم نظرت إلى الأرض.

 

“تحتها.”

 

اقترب آدم.

 

ظهرت على الأرض علامة صغيرة.

 

ثلاث دوائر.

 

نفس العلامة التي رأوها من قبل.

 

لكن هذه المرة كانت بجوارها جملة مكتوبة بالهيروغليفية.

 

بدأت مريم تقرأها ببطء.

 

ثم قالت:

 

“من يحمل الذاكرة… لا يحمي الماضي فقط، بل يحمي من سيأتي بعده.”

 

نظر آدم إلى ليان.

 

ثم إلى نور.

 

ثم إلى المومياء.

 

وفجأة…

 

سمعوا صوتًا من خلفهم.

 

كان صوت أمينة.

 

لكن نبرته هذه المرة كانت مختلفة.

 

قالت:

 

“لم أخبركم شيئًا.”

 

التفتوا إليها.

 

بدأ جسدها يضيء مثل فارس.

 

قالت مريم:

 

“أمينة؟”

 

ابتسمت.

 

“أنا لم أكن إنسانة.”

 

تجمد الأربعة.

 

قالت:

 

“كنتُ موكّلة بحراسة المومياء.”

 

ثم بدأت ملامحها تتغير.

 

“وظيفتي انتهت الآن.”

 

سأل آدم:

 

“يعني إنتِ زي فارس؟”

 

أومأت.

 

“لكنني كنت مخصصة لهذا المكان فقط.”

 

ثم نظرت إلى المومياء.

 

“وكان عليّ أن أنتظر وصولكم.”

 

بدأ جسدها يتلاشى.

 

قالت نور:

 

“مين صنعك؟”

 

أجابت أمينة:

 

“سليم.”

 

ثم قالت:

 

“لكن سليم لم يصنعني وحده.”

 

وتوقفت.

 

“عاصم كان جزءًا من تصميمي.”

 

اختفت أمينة.

 

وبقي الأربعة وحدهم.

 

نظر آدم إلى المومياء.

 

ثم قال:

 

“لازم نخرجها من هنا.”

 

قالت ليان:

 

“ونوديها للآثار.”

 

أومأت نور.

 

لكن قبل أن يلمس آدم التابوت…

 

ظهرت على الشاشة كلمة واحدة:

 

“لا تثقوا بأول جهة ستطلبها منكم.”

 

ثم ظهرت رسالة أخرى:

 

“فالمنظمة ليست خارج المؤسسات فقط…”

 

وتوقفت الشاشة.

 

نظر الأربعة إلى بعضهم.

 

قال آدم:

 

“يعني حتى بعد ما نسلم المومياء…”

 

قالت مريم:

 

“المعركة لسه هتبدأ.”

 

وأغلقت الشاشة.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

صدر صوت خطوات فوقهم.

 

شخص ما كان يدخل المكان.

 

ولم يكن وحده.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *