الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم يتحرك آدم من مكانه.
ظلّت الصورة بين أصابعه، بينما كانت عيناه تنتقلان بين ثلاثة أشياء فقط: الساعة التي تشير إلى 11:40، الباب الجانبي لمحطة الشرق، والرقم الصغير الظاهر أسفل الصورة.
03.
لم يكن هناك ما يكفي ليقول إن الرقم يشير إلى غرفة.
وهذا تحديدًا ما جعل آدم يتوقف.
قال بصوت هادئ:
«إحنا لحد دلوقتي بنفترض إن 03 رقم غرفة… بس مفيش دليل واحد بيقول كده.»
كانت داليا واقفة أمامه، بينما جلس سامر على طرف الصندوق الخشبي الذي وُضع فوقه بعض الملفات القديمة.
قالت داليا:
«بس أمي كانت بتتكلم عن 03.»
«أيوه. وده معناه إن الرقم مهم، مش بالضرورة إن المكان نفسه اسمه 03.»
رفع آدم الصورة مرة أخرى.
«خلينا نرجع لأول دليل.»
أشار إلى الساعة.
«11:40.»
ثم إلى الرقم.
«03.»
ثم إلى الجملة التي كتبها يوسف خلف الصورة:
لا تبدأ من يوم اختفائي.
قال:
«يوسف قال لنا نرجع قبل اختفائه. وإحنا عندنا صورة اتاخدت قبل الاختفاء، وعليها ساعة ورقم. يبقى المفروض إن الاتنين مرتبطين.»
اقتربت داليا أكثر.
«يعني إيه؟»
«لسه مش عارف.»
ثم نظر إلى سامر.
«بس في حد هنا كان عارف.»
لم يرد سامر.
لم يكن صمته هذه المرة غامضًا فقط، بل بدا وكأنه يحاول اختيار الكلمات التي يستطيع قولها دون أن يكشف أكثر مما يريد.
قال آدم:
«إنت كنت في محطة الشرق يوم اختفاء يوسف.»
«أيوه.»
«وشفت يوسف مع أم داليا.»
«أيوه.»
«يبقى أكيد شفت المكان ده.»
نظر سامر إلى الصورة.
ثم قال:
«شفت الباب.»
سأله آدم فورًا:
«وكان وراه إيه؟»
تأخر سامر في الإجابة.
«ممر.»
«ممر بيروح فين؟»
«الجزء القديم من المحطة.»
داليا قاطعته:
«إنت قلت قبل كده إن 30 مش غرفة.»
نظر إليها سامر.
«لأنها فعلًا مش غرفة.»
«أمال إيه؟»
تنفس سامر ببطء.
«كان فيه ممر اسمه الممر 30.»
رفع آدم رأسه.
لأول مرة ظهر أمامه تفسير محتمل للرقم.
لكن بدل ما يشعر إنه اقترب من الحل، شعر أن خيطًا جديدًا ظهر.
قال:
«و03؟»
لم يجب سامر.
قال آدم:
«لو 30 كان اسم الممر، يبقى 03 ممكن يكون اتجاه داخل الممر.»
صمت سامر.
وهنا فهم آدم شيئًا مهمًا.
الصمت نفسه كان معلومة.
لو كان استنتاجه خاطئًا تمامًا، لصححه سامر فورًا.
لكن سامر لم يفعل.
أخرج آدم دفتره وكتب:
11:40 = اتجاه محتمل
03 = دليل على مكان أو نقطة داخل المسار
30 = اسم الممر القديم
ثم وضع خطًا تحت الجملة.
«لسه مفيش حاجة مثبتة. دي فرضية بس.»
قالت داليا:
«طب نروح المحطة؟»
نظر آدم إلى الساعة.
كانت تقترب من منتصف الليل.
«مش دلوقتي.»
استغربت داليا.
«ليه؟»
«لأننا لو رحنا من غير ما نفهم الصورة، ممكن نمشي في المكان بالطريقة اللي الشخص اللي بعت الصورة عايزنا نمشي بيها.»
ثم أضاف:
«إحنا محتاجين نعرف الأول إيه اللي حصل قبل الصورة.»
في تلك اللحظة اهتز هاتفه.
رسالة جديدة.
هذه المرة من ليان.
قرأها آدم بصوت منخفض:
«أنا رجعت لمخزن الصور القديم. لقيت حاجة لازم تشوفها بنفسك.»
رفعت داليا رأسها.
«هي فين؟»
أجاب آدم:
«في مبنى الأرشيف القديم.»
ثم نظر إلى سامر.
«هنروح لها.»
وقف سامر.
لكن آدم أوقفه:
«إنت هتفضل هنا.»
نظر سامر إليه باستغراب.
«ليه؟»
«لأنك قلت إنك تعرف الممر 30. ولو احتجنا معلومة عن المحطة، هنتصل بيك.»
سكت سامر لحظة.
ثم قال:
«خدوا بالكم من ليان.»
ثبت آدم عينيه عليه.
«تقصد إيه؟»
لكن سامر لم يجب.
حمل سترته واتجه نحو باب القبو.
قال آدم:
«إنت رايح فين؟»
التفت سامر.
«قلت لك قبل كده إن عندي شغل.»
«دلوقتي؟»
«أيوه.»
فتح الباب وخرج.
لم يختفِ.
لم يظهر فجأة.
خرج أمام أعينهما، وصعد السلم، ثم أغلق الباب خلفه.
بقي آدم وداليا وحدهما.
قالت داليا:
«هو بيخبي حاجة.»
أجاب آدم:
«أكيد.»
«وإنت سايبه يمشي؟»
نظر آدم إلى الباب المغلق.
«لأني عايز أعرف هو رايح فين.»
خرج آدم وداليا من القبو بعد دقائق.
لم يتجها معًا إلى مكان بعيد.
كان مبنى الأرشيف القديم يقع في الجهة المقابلة من المبنى الرئيسي، وبينهما ممر ضيق يصل إلى باب حديدي قديم.
وأثناء سيرهما، اتصل آدم بليان.
ردت من أول رنة.
قال:
«إنتِ فين؟»
«في مخزن الصور.»
«لوحدك؟»
«أيوه.»
سكت آدم لحظة.
ثم قال:
«إحنا جايين لك.»
وصل آدم وداليا إلى المخزن بعد دقائق.
وجدوا ليان واقفة أمام طاولة طويلة، وعلى الطاولة ثلاث صور قديمة.
لم تقترب منهم.
قالت:
«أنا ما طلبتش منكم تيجوا عشان لقيت صورة جديدة.»
نظر آدم إلى الصور.
«أمال؟»
دفعت ليان إحدى الصور نحوه.
«عشان لقيت نفس الصورة اللي معاك… بس قبلها بيوم.»
تجمد آدم.
أخذ الصورة.
كانت لمحطة الشرق.
نفس الرصيف.
نفس الباب الجانبي.
لكن الساعة هذه المرة لم تكن 11:40.
كانت تشير إلى:
11:40 أيضًا.
قالت ليان:
«بص على الشخص اللي واقف جنب الباب.»
اقترب آدم من الصورة.
كان هناك رجل يقف بعيدًا، ووجهه غير واضح.
لكن في يده شيء أسود.
ساعة.
وعلى الساعة علامة صغيرة تشبه الدائرة والخط.
نفس العلامة الموجودة على الظرف الأسود.
قالت ليان:
«الصورة دي اتاخدت قبل اختفاء يوسف بيوم.»
ثم أشارت إلى زاوية الصورة.
«والأهم من كده… بص هنا.»
كان هناك رقم صغير مكتوب على الحائط.
03.
لكن آدم لم ينظر إليه طويلًا.
لأن شيئًا آخر جذب انتباهه.
على ظهر الصورة كانت هناك كتابة بخط مختلف:
«اليوم السابق لا يثبت أين كان يوسف… لكنه يثبت أين كان الشخص الذي ينتظره.»
رفع آدم رأسه ببطء.
قالت داليا:
«يعني إحنا بندور على يوسف غلط؟»
لم يجب آدم.
ظل ينظر إلى الصورة.
ثم قلبها مرة أخرى.
وتحت الجملة مباشرة كان هناك توقيع صغير جدًا.
لم يكن توقيع يوسف.
ولم يكن توقيع فؤاد سالم.
كان اسمًا واحدًا.
آدم ناصر.
نظر آدم إلى ليان.
ثم إلى داليا.
ولأول مرة منذ بداية القضية، وجد اسمه مكتوبًا على دليل يعود إلى اليوم السابق لاختفاء يوسف بسبعة عشر عامًا.
ولم يكن قد وُلد في المكان الذي يفترض أن يكون فيه ذلك اليوم أصلًا.
انتظروا الجزء القادم
غمضة:
إذا كانت الصورة أقدم من اختفاء يوسف بيوم، فلماذا تحمل توقيع آدم ناصر؟ ومن كان يستخدم اسمه قبل أن يبدأ هو نفسه في البحث عن الدليل؟
![]()
