سارة أسامة النجار
كان الربيع يجمع بقايا نسماته على استحياء، بينما تمرّ في الذاكرة لحظات العام الدراسي الأخيرة: بين توتر الامتحانات وأحلام الإجازة القادمة. في حزيران، ذلك الشهر الذي لا يُفصح عمّا يخفيه، جاءني النبأ الذي شقّ روحي إلى نصفين في 18 حزيران 2025، قُصفت “مدرسة شهداء بني سهيلا الثانوية للبنات”، بيتي الثاني، وحلم الصبا الذي احتواني.
قضيت فيها ثلاث سنوات من عمري، تركت على مقاعدها أثراً لا يُمحى كنت الأولى في التحصيل، وفي السلوك، وفي أدب الأخلاق. عدت إليها بعد تخرّجي لأردّ بعض الجميل؛ نفذت مبادرات في التوعية والدعم النفسي، استقبلتني المديرة والمعلمات بذراع من الفخر، وكأن الطالبة الهادئة قد عادت لهم قدوة تُزهر.
كنت بين طالبات التوجيهي كواحدة منهن، أرافقهن درب التفوق، وأشاركهن الحلم. لم أسعَ يومًا لأن أكون معلمة، لكن الوقوف في ردهات مدرستي أمام الطالبات كان يكفيني؛ يثلج صدري، ويجعل قلبي يعي عظمة رسالة التعليم.
“شهداء بني سهيلا” لم تكن مبنى فقط، بل مهد توازني، وصانع إرادتي، وعنوان هويتي. فيها أحببت، واحترمت، وتعلمت كيف أكون.
خلال الحرب زرتها، كانت الجدران مثقّبة بالشظايا، لكنها احتضنتني بشموخ. واليوم، صارت جثة على الأرض، مكفّنةً بفصولها، وساحتها، ودفاتر ذكرياتنا.
لم تكن أول مدرسة تُقصف، ولن تكون الأخيرة. فمنارات العلم في غزة أُدرجت على قوائم الخطر. أكثر من 95% من مدارس القطاع، ما يزيد عن 400 مدرسة، أصيبت أو دُمرت، وكأن العِلم صار جريمة، والتعليم مقاومة.
![]()
