...
Img 20250627 wa0023

 

الكاتبة شمس سهيل

ثمة لحظات في الحياة لا تجد فيها مخرجا سوى أن تكتب.

 

حين تزدحم الروح بما لا يقال، ويضيق القلب بما لا يفهم، يصبح القلم وحده المأوى الأخير.

 

أمسك قلمي لا لأني أمتلك ما أقوله، بل لأني لم أعد أحتمل الصمت، لأني كلما صمتّ، اشتدت ضجتي من الداخل، واشتعلت في نفسي

براكين أتمنى أن تهدأ لحظة. أكتب لأني أريد أن أتنفس، وأن أخرج ما لو بقي بي لكسرني؛ فالكتابة أصبحت طوق نجاتي الوحيد، حين ضاق كل شيء.

 

وإني لأكتب لأني لا أجد ملاذا آخر. ما عدت أجيد الحديث عن أوجاعي بالتفصيل، لم أعد أحب البوح كثيرا، ولا الانتظار،

ولا العتاب. تغيرت كثيرا، وصرت أخفي ما يؤلمني كأنه لا شيء، وأبتسم كأني لم أبكِ البارحة حتى النوم.

 

أنا التي إذا سألني أحدهم: كيف حالك؟ أقول: بخير، وأمضي، بينما داخلي أشياء لا تحتمل. أخفي حزني في مزحة،

وارتباكي في ضحكة، وصمتي بكلمة مجاملة؛ لأبدو بخير، فقط لأبدو بخير.

 

أكتب لأن الكتابة آخر ما تبقى لي، لأن القلم لا يقاطعني، لا يستخف بمشاعري، ولا يشعرني أني مبالغة، ولأن الورق يسمعني للنهاية،

ثم يحتضن حزني دون أن يطالبني بالقوة، أو يطلب مني أن أتجاوز سريعا.

 

أكتب لأني مررت بأشياء كثيرة لم يكن لي ذنب بها، لكنها غيرتني، جعلتني أكبر من عمري، وأهدأ من حقيقتي، وأصعب من الاقتراب ممن حولي.

 

أكتب لأني أشتاق لنسختي القديمة، النسخة التي كانت تضحك من قلبها، وتثق دون أن تخشى الانكسار، النسخة التي كانت تنام وهي

مطمئنة، لا ترهقها الأسئلة، ولا تنهشها الذكريات. أشتاق لتلك الطمأنينة التي كانت تحضن قلبي دون سبب واضح، أشتاق

لبساطتي في الحب، لاندفاعي في الصداقة، لعيناَي اللتين كانتا تلمعان عند أبسط فرحة.

 

أشتاق لفتاة لم تكن تتقن التخلي، ولم تعرف كيف ترتدي أقنعة الصلابة، كانت تفضحها مشاعرها، تحلم بصوت عالٍ، وتجالس

الحياة كأنها مدينة صغيرة مليئة بالمفاجآت الجميلة. الآن صرت أخاف البدايات، وأتحاشى التعلق؛ لا لأني لا أريد، بل لأني تعبت من النهايات.

 

أنا لا أجيد البدايات الجديدة، ولا أتقن التظاهر، ولا أرغب أصلا بأن أقنع الآخرين أني بخير. ما عدت أرى فائدة في إخفاء ملامح

الوجع، ولكني أيضا لا أجد من يحتمل رؤيتها، ولا من يستحق من أشاركها معه؛ فآثرت الصمت. أنا الآن فقط أحاول أن أرمم ما تبقى من قلبي.

 

فإن كنت تقرأني الآن، لا تبحث عني في ضحكتي، ولا في نظراتي، ستجدني بين السطور، في الكلمات التي لم أكتبها بعد، وفي

المساحات البيضاء التي تركتها، لأني لم أعد أحتمل البوح.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *