...
Faa370c6 4ca8 4749 b77e 4eb15cadf324

الكاتبة: نجوى الطامي

في الكهف الأسمنتي الناجم عن ركام البيوت نتيجة القصف الإسرائيلي، استقر المَقامُ بروضة وأطفالها. أخرجت ما لديها من متاع قليل هيأت به موضعا للراحة والنوم، ورصّت على حجر قريب ما تبّقى معهم من طعام.

لم يكن لديها سوى واحدةٍ فقط من ُعلب الطعام، وبعض زجاجات المياه التي تقاسمتها أختها معها قبل الفراق.
تطلع الأطفال حولهم، قال خالد في دهشة مشيرا إلى بعض الشجيرات المورقة في ركن بعيد بأعلى تلة الركام: “انظري يا أمي الى هذه الشجيرات! خُضرةٌ وسط الدمار تتحدى القصف والخرابَ.”
هزت أمّه رأسها موافقةً فقد كانت مشغولة بقص أشرطة من طرحتها لتضمد جرح ابنها البكر ياسر الذي بدأ يتأوه من الآلام. قالت روضة وهي تحتضنه في لهفة: “صبرا يا ياسر. تحمّل يا غالي. ربما سنجد بعض الدواء مع أحد النازحين.” عضّ ياسر على شفتيه متجلدا حتى لا يحمّلَ أمَّه همّاً فوق هم.
سأل ياسر أمه في استكانة: “هل أصبحنا مثل فقراء قريش يا أمي؟ معلمُنا أبو إياد في المدرسة حكي لنا قصتهم عندما كان يشرح لنا معنى سورة قريش ويحفّظها لنا.”
سايرته أمّه الحديث لتلهيه عن الألم: “وماذا قال أبو إياد؟”
أجاب ياسر وهو يغالب ألمه: “قال قبل نزول الوحي على الرسول الكريم صلىّ الله عليه وسلم في مكة كان رب البيت من شدة فقره يفعل شيئا يسمّى “الاعتفار”، فيأخذ أولاده وزوجته إلى الصحراء ويبقى معهم إلى أن يموتوا من الجوع حتى لا يمّد يدَه يطلب الإحسان.”
قالت الأم في حسرة: “سؤالك صعب، وإجابته أصعب يا بُني. ليتني أستطيع أن أُجيبك بلا! ولكن يجب أن تعرفوا الحقيقة لأنكم من سيقاومُ العدو ويستعيدُ الحق. فنحن صرنا أتعسَ حالاً من فقراء قريش. هم عاشوا يعانون الجوعَ فقط، ولم يعيشوا تحت القصف والدمار والخوف الذي نعيشه.”
أضاف ياسر مستكملا ذكريات ما حفظه عن معلمه: ” وقال لنا أبو أياد أيضا ان هذه العادة السيئة انتهت على يد هاشم بن عبد مناف، الجد الأكبر للرسول الكريم، فقد طلب من الفقراء أن يعملوا ليحصلوا على قوتهم بالترحال للتجارة مرتين في العام.

الأولى إلى اليمن والثانية إلى الشام. وتحدث إلى القبائل الموجودة على طول مسافة الرحلتيْن ليضمن لقريش أمان الطريق. وهكذا انتعشت القبيلة، وأصبحت مكة مركزاً للتجارة والزيارة ودبت الحياة فيها.”
تنهدت روضة لسماع حديث ياسر وهمست لنفسها: “عليك صلاة الله وسلامه يا رسول الله. أين أنت الآن لترى حال أمتك وما يُفعل بنا!”
سأل خالد مرة أخرى: “ألهذا نرحل من مكان الى مكان يا أمي؟”
قالت روضة بصوت تخنقه العبرات: ” كلا يا خالد. نحن نرحل هربا من ظلم محتلٍ غاشِم استولى على معظم أرضنا ويطاردنا كي نترك له ما تبقى منها.”
قال خالد بافتخار: “هي أرض فلسطين، ولن نتركها للصهاينة أبدا يا أمي كما كان أبي يقول لنا.”
ربتت الأم على خالد وأجابت: “لن نتركها أبدا يا خالد كما قال أبوك. سنظل في أرضنا كالوتد، نحافظ عليها وعلى تراثنا وتاريخنا، ونحمي قبر جد الرسول الأكبر، أو نموت فداءً لها.”
لمعت عينا خالد من الدهشة وسأل: “هل هو مدفون في فلسطين؟” أجابه ياسر من بين تأوهه: “نعم هو مدفون هنا في غزة بعد أن أصابه المرض في رحلة من رحلاته، وهو من سادة قريش، فدفنوه فيها، وضريحه يوجد إلى الآن في “جامع السيد هاشم” بحي “الدرج” ولذلك يسمونها “غزة هاشم” أحياناً.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *