...
Img 20250708 wa0147

 

كتب/ حسين العلي

(لو أمطرت السماء حرية، لرأيت بعض العبيد يحملون المظلات)

بهذه العبارة المكثفة، يخترق أفلاطون جدار الزمن ليلقي علينا بحقيقة مريرة ما زالت تكرر نفسها في كل عصر:

ليس كل مَن يتوق إلى الحرية قادرًا على استقبالها، وليس كل مَن عانى القيد مستعدًّا للانعتاق،

فما الذي يجعل بعض الناس يهربون من الحرية حين تُمنَح لهم؟ وكيف يتحول القيد إلى مأوى، والسجن إلى أُلفة، والعبودية إلى “نمط حياة”؟

الحرية ليست مجرّد حالة غيابٍ للقيود، إنها مسؤولية، وقرار، ومواجهة مع الذات.

لهذا، فإنها لا تُعطى بسهولة ولا تُحتمل خفتها عند الجميع. بعض النفوس، بعد أن طالت إقامتها في ظلام العبودية، تخاف النور، وتُفضّل قيودًا مفهومة على أجنحة لا تعرف كيف تطير بها.

وهكذا ترى من “يحمل المظلات” حين تمطر السماء حرية، كأنما يخشون البلل من شيء لا يُبلّل.

العبيد الجدد: مَن هم؟

في الأزمنة القديمة، كان العبد يشتري ويباع. أما اليوم، فقد تغيّرت أشكال العبودية:

1- هناك من يستعبدهم الخوف: من التغيير، من الفشل، من المجهول.

2- وهناك من تستعبدهم السلطة أو المال أو العادات أو الموروثات الاجتماعية.

3- وهناك من تسرق العبودية منهم حتى القدرة على الحلم، فيعيشون فقط ليكرروا ما اعتادوه.

هؤلاء العبيد الجدد قد لا تدركهم أعيننا، لكنهم كُثر. بعضهم يتكلم باسم الحرية، لكن أول ما يفعله حين تسنح له الفرصة هو قمع الآخر. وبعضهم يشكو من الظلم طوال عمره، فإذا زال عنه الظلم، بقي في مكانه، حائرًا، لا يعرف إلى أين يمضي.

الحرية، في حقيقتها، ليست فقط حقًا يمنح، بل حالة وعي تكتسب. إنها تتطلب من الإنسان أن يفكر، ويختار، ويتحمّل نتائج اختياره.

هذا وحده كفيل بأن يجعل البعض يفضل القيد على أن يتحمّل عبء القرار، وفي عمق النفس البشرية، هناك شيء يدعى “الحنين إلى السجن”، خاصة إذا كان هذا السجن هو كل ما عرفه المرء طوال حياته. فالحرية، على عظمتها، تربك من لم يُدرّب قلبه وعقله عليها.

المظلة في عبارة أفلاطون، ليست مجرد رمز للتجنّب، بل لرفض الخير بذريعة الخوف منه. حين تهطل الحرية، فمن يتجهز بالمظلات هو من اختار الطاعة على التفكير، ومن آثر الأمان الوهمي على المغامرة نحو الوعي، وهنا تكمن المفارقة:

أن الحرية ليست فقط صراعًا مع القيد الخارجي، بل مع القيود المتجذرة في الداخل في العقول، والعادات، والخوف، والإدمان على الطاعة.

أفلاطون نفسه كان يدرك أن الحرية لا تجبر ولا تفرض. لذلك بنى فلسفته على التربية، لكي لا يرفع الناس المظلات حين تمطر السماء حرية.

لا بد أن نعلمهم منذ الصغر، أن الحرية لا تعني الفوضى، بل احترام الذات والآخر،أن الحرية لا تهدي، بل تكتسب، أن الحرية تتطلب الشجاعة، والمساءلة، والتفكير النقدي.

قد لا نلام تمامًا على الخوف من الحرية، خاصة حين نكون أبناء أجيالٍ عاشت طويلاً تحت الاستعباد، لكنها دعوة دائمة لكل إنسان:

حين تمطر السماء حرية، لا تكن ممّن يفتح المظلة… بل اغتسل بها، ودعها تطهّرك من كل قيد داخليّ قبل الخارجي. فالحرية لا تسكن الأوطان فقط، بل تسكن القلوب التي تجرؤ على أن تختار.

كن مَن ينزع المظلّة، ويفتح القلب والوعي، ويمشي بثبات نحو الضوء، مهما كان الطريق وعِرًا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *