...
E9364ad7 5be9 4e24 8f48 3da95a0a4384

كتبت: منال ربيعي 

 

ليست التصوف حروفًا تُقرأ، ولا خطبًا تُلقى، بل هو نداءٌ غامض يهزّ الأعماق، كأنه صوت الماء في ظلمة الأرض، أو حفيف أجنحة الحمام عند الفجر. إنه ذلك المسار الملتوي الذي تسلكه الروح حين تفيض عن الأسماء والأشكال، فتذوب في اللحظة التي لا تُقاس بالزمن، ولا تُعبَّر باللسان.

المقام ليس مكانًا، بل هو حالٌ تُلمَس ولا تُرى. كالريح التي تمرّ بين الأغصان فلا تعرف الشجرة أين مستقرها، لكنها تشعر بذبذباتها في كل ورقة. فالسالك لا يصعد سُلّمًا من المراتب، بل يغوص في بحرٍ لا قاع له، حيث يختفي الفرق بين العاشق والمعشوق، بين الكلمة والصمت.

تأمّلْ معي الحلاّج الذي صرخ “أنا الحق” فسُفك دمه. لم تكن كلمته ادعاءً، بل شهادة غياب عن الذات. لقد صار الكأس التي انكسرت لتمتزج بالخمر، فلم يعد يُرى إلا الشراب. ورابعة العدوية التي كانت تحمل الشعلة في يمينها والدلو في شمالها، تُريد أن تحرق السماوات وتُطفئ جهنم، حتى يعبد العابدون حبًا خالصًا، لا خوفًا ولا طمعًا.

أما ابن عربي، فحديثه عن “وحدة الوجود” ليس فلسفة جافة، بل رؤية تذوب فيها الحدود كالملح في الماء. حين يقول: “العبد ربٌّ والرب عبد”، فهو لا يلغو، بل يشير إلى تلك اللحظة التي يتنفس فيها الكون بنفس واحد.

واليوم، قد يظن البعض أن المقامات الصوفية ضرب من التاريخ، لكنها تُبعث حيثما وُجد قلب يخفق بالأسرار. ألم يقل جلال الدين الرومي:
“كن كالنهر في العطاء، كالشمس في الدفء، كالسحاب في الرحمة”؟
إنها دعوة لأن نكون، لا أن نمتلك؛ لأن نذوب، لا أن نتباهى.

في الختام، ليس المطلوب أن نفسّر المقام، بل أن نستمع إليه كصدى يأتي من بعيد. فالصوفي لا يملك إجابات، بل تساؤلات تُضيء كالنجوم. وربما كانت الحكمة كلها أن تعرف، كما عرف ذو النون المصري، أن “مهما تصوّرته في بالك، فالله بخلاف ذلك”.

هنا، حيث تنتهي الكلمات، يبدأ السير.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *