كتب: حسين العلي
في هذه العبارة القصيرة، لكنها عميقة كالبحر، قالها الكاتب والمفكر البرتغالي جوزيه ساراماغو:
“الأمل كالملح، لا يُغذّي لكنه يعطي للخبز طعماً.”
بين كلماته يكمن تأمّلٌ في طبيعة الأمل، ودوره في الحياة، وحدوده أيضًا.
فالأمل لا يحلّ مشكلاتنا، لا يُنجز المهام بدلًا منّا، لا يدفع فواتيرنا، ولا يُخرجنا من الحفر؛ لكنه يجعلنا نواصل المسير، ونحتمل الطعم القاسي للواقع.
بعض الفلاسفة يرون في الأمل مجرّد “وهمٍ مؤجّل”، هروب من مواجهة اللحظة الراهنة، وتعليق النفس على احتمالات قد لا تتحقق.
لكن ساراماغو، وإن كان كاتبًا ساخرًا وسوداويًا في كثير من أعماله، لم يسقط في فخ نفي الحاجة إلى الأمل.
هو لا يمنح الأمل قيمة وظيفية، بل يمنحه بُعدًا جماليًّا. الأمل لا “يُشبع”، لكنه يجعل الحياة “لذيذة”.
الحياة بلا أمل، مهما كانت غنية بالتفاصيل، تظلّ باردة، ناقصة، باهتة.
ليس المقصود بالأمل هنا التفاؤل الساذج، ولا الركون إلى الغيب، بل الإيمان العميق بإمكانية التحسّن، مهما كان الواقع صعبًا.
الأمل هو ذاك الصوت الخافت في أعماقنا الذي يقول: “لستَ وحدك… ما زال هناك ضوء.”
قد يأتي على هيئة كلمة طيبة، أو لقاء غير متوقّع، أو لحظة صمت وسط العاصفة، أو حتى ابتسامة نجهل مصدرها.
غياب الأمل لا يعني فقط انعدام اللذة، بل قد يقود إلى التَعفّن الداخلي.
فالحياة بلا أمل تصبح بيئة صالحة لليأس، للقسوة، للانتحار الروحي قبل الجسدي.
لا شيء يدمّر الإنسان مثل الإحساس بأن “لا شيء سيتغيّر”، أو أن “لا فائدة من أيّ شيء”.
حين تشتدّ الأزمات ويضيق الأفق، يصبح الحديث عن الأمل فعلاً مثيرًا للسخرية في نظر البعض.
كيف يمكن لإنسان جائع، خائف، مظلوم، أن يتشبّث بشيء غير مرئي؟
لكن العجيب أن من بقي حيًّا وسط الخراب، لم يفعل ذلك بفضل الطعام وحده، ولا الحماية، ولا المنطق؛ بل بفضل شيء داخلي، هشّ لكنه عنيد: الأمل.
في مثل هذه الظروف، لا يكون الأمل شعارًا أو شعورًا رقيقًا، بل يتحوّل إلى مقاومة صامتة، إلى قوّة روحيّة ترفض الانهيار رغم كل ما يدعو إليه.
الأمل هنا يشبه الملح في جرح مفتوح؛ يؤلم، نعم، لكنه يمنع التعفّن.
في كثير من الأحيان، قد لا نملك أيّ سبب منطقي للاستمرار، لكننا نستمر.
لماذا؟ ربما لأن في داخل كل إنسان “حبّة ملح” لا تموت.
رغبة غامضة بأن يرى النور من جديد، أن يضحك رغم كل شيء، أن يكتب قصيدة، أن ينتظر رسالة، أن يزرع شجرة، أن يحلم.
*ملح الحياة… في التفاصيل الصغيرة*
1. في فنجان قهوة يُقدَّم لك في لحظة تعب.
2. في أغنية قديمة تُذكّرك بزمانٍ أجمل.
3. في كتاب تقرأه في عزّ الانكسار فيمنحك نافذة نحو نفسٍ أهدأ.
4. في يدٍ تُربّت على كتفك دون كلام.
كلّ تلك التفاصيل ليست “غذاءً”، لكنها تمنح الخبز الروحي نكهته…
تجعلنا نأكله لا فقط لنعيش، بل لنستمتع بلحظة العيش.
في عالمٍ مثقلٍ بالمرارة، لا تبحث فقط عن الأمل… كن أنت الأمل.
كن “الملح” الذي يضيف المعنى لأيام الآخرين، بكلمة، بابتسامة، بإصغاء حقيقي، بتفهّم.
كن ذلك الشخص الذي يمرّ في حياة غيرك، فيمنحها نكهةً لا تُنسى.
الأمل ليس موقفًا فلسفيًّا فحسب، بل غريزة إنسانية.
غريزة لا ينجو البشر بدونها، ولا تنمو المجتمعات في غيابها.
*وختامًا أقول:*
وبي أملٌ بنورٍ سوف يأتي ليمسحَ كلَّ ساعاتِ الظلامِ
أراهُ على اقترابٍ من بعيدٍ ويكبرُ كلَّ يومٍ بانتظامِ
فأجمعُ قوتي وأزيلُ دمعي وأنظرُ للمواجعِ بابتسامِ
وأضحكُ في الظلامِ أقولُ همسًا: سأحظى في قريبٍ بالسلامِ.
![]()
