كتبت: مريم أشرف فرغلي
بسم الله، توكلت على الله. نطقتُ بها، ورفعتُ شوال الطحين على كتفي، وانطلقت نحو عملي. يومٌ آخر أستيقظ فيه بعد حلمٍ طويل، تحققت فيه كلّ أحلامي الواقعية، لكنني أفتح عيني على واقعٍ أعرفه منذ الصغر.
“لا نهاية للكيان”… كنتُ أردد هذه الجملة على مسمعي باستمرار، والآن صدّقتها. بات الأمر محتومًا، لا نجاة لنا منهم إلا بالموت… وها نحن نُقتَل. متى سيغادرون أرضنا؟ لا نعلم. ومتى سنتحرّر برفقتها؟ جميعها أمور في علم الغيب.
نحن الغزّاويين نتجهّز للموت قبل أن نولد. نعرفه كصديقٍ قديم نُرحّب به دومًا، فلا نحن نخون أرضنا، ولا الأرض تخوننا.
لنعد أعوامًا إلى الخلف، ولنقل عامين. كنتُ حينها “الشاب حمزة”، حاملاً شِوالات الطحين. كنتُ أنقل العشرات منها في دقائق، أجوّل بين الدكاكين والأفران، أوزّع الطحين والسرور يملؤني. كان ذلك العمل هو المفضل لي، بل هو المناسب أيضًا. شابٌ في مقتبل العمر، ذو بنيةٍ عضليةٍ جيدة… ما الذي يمنعه من حمل شِوالات طحين لا تتجاوز خمسين كيلوغرامًا؟
حتى أتت الحرب. حنت ظهري، بل كسرت فقراته. تمر الأيام على جسدي بين الجوع والمرض.
لم أنم الليل منذ فترة. وكيف لي أن أنام، والصغار حولي يُحرقون، ويُقصفون، وينامون في سباتٍ أبدي؟
اشتقتُ لعملي البسيط في أفران الخبز، وتحديدًا عند فرن العم صلاح الغزّاوي، حين كان لهيب الفرن يمتزج برائحة الخبز الطازج. كم أشتاق لتلك الرائحة، وكم أتمنى أن أتناول رغيفًا، لا لأشبع… بل فقط لأواصل الحياة.
نحن الآن تحت أشعة الشمس، تحرق جلودنا، ونشعر بلهيبها يشوي عظامنا.
عشتُ دون عائلة، فقد كانت غزة هي وطني وأهلي، وكان الأطفال في الدار إخوتي، وكل أم وأب هما أبواي.
ترعرعتُ بين الناس والأسواق، حُرمت من الطعام لأيام كثيرة، لكني لم أشعر بحرمانٍ كالذي نعيشه الآن. نفتقد لكل شيء بسيط.
قضت الحرب على أرضنا الخضراء، فأصبحت بورًا، كأنها لم تشمّ رائحة الماء منذ أن خُلقت. هُدمت المباني والمستشفيات، وغابت غزة تحت الركام.
لكنني جئتُ اليوم لأبشّركم:
أحمل شوال طحين، رغم أنني أركض به لدقائق وأسقط عشرًا، ترتجف عظام جسدي الهزيل، وتصرخ أوصالي.
أحمله إلى العمة صفية، إحدى السيدات الغزّاويات الأصيلات، تودّ أن تصنع به خبزًا في فرنها الطيني وتوزّعه على الجوعى. وأنا قرّرت أن أجلبه لها.
لكنني أشعر الآن أن تراب غزة يناديني. غطّى جسدي بين السقوط والصعود، تشتّتت رؤيتي، ولم أستمع إلى صوت السيارة التي دهست قدميّ، وكسّرتها إلى قطع.
سمعت صوت تكسير عظامي. سقطتُ للمرة الأخيرة، وسقط شوال الطحين معي. الشوال الذي وقفت من أجله منذ ليلة أمس، والذي لا يتجاوز وزنه عشرة كيلوغرامات!
صرختُ بكلّ ما في جوفي لعلّ أحدًا يساعدني، وأنا أعلم أن الجميع بحاجةٍ إلى المساعدة.
محوت من ذاكرتي تفاصيل حياتي وتفاصيل الحرب. لم يعلَق في ذهني سوى صفية وفرن الطين الذي ينتظرني.
أكملت صراخي مرددًا:
*لأجل أن آكل فتات خبز… تفتّتت أرجلي*.
![]()
