كـتـبـت :-عـليـاء مـحـمـد خـلـيـل
في خاصرةِ الزمانِ نصلٌ لا يُنتزع، وفي قلبِ الأمةِ وجعٌ لا يُنسى… هناك، حيث تبدأ الحكايةُ ولا تنتهي، تقف فلسطين شامخةً كأنها أبيةُ القصائد، ونخلةٌ تتحدى العاصفة.
فلسطينُ ليستْ خريطةً على جدارٍ باهت، ولا رقماً في نشراتِ الأخبار، بل هي نَفَسُ التاريخ إذا تنفّس، وروحُ الأرض إذا بكت، وعينُ القدسِ إذا اغرورقت بدمعِ الأذان.
منذ سُرقت مفاتيحُ البيوت، وتبعثرتِ العناوينُ في شتاتِ المنافي، لم تهدأ الأرض، ولم تنم الحجارة، كل حجر هناك طفلٌ ينتظر أن يكبر، وكل زيتونة أمٌّ ثكلى تحتضن الريح وتُرضعها أسماء الشهداء.
من قال إن فلسطين أرضٌ محتلة فقط؟!
هي القصيدةُ التي يرفضُ الشاعرُ أن يُنهيها،
هي الآيةُ التي أبت أن تُمسخ في فمِ الزيف،
هي الأقصى… حيثُ تعرجُ الدعواتُ إلى السماء،
وحيثُ تصلي الأرواحُ بدمعٍ يُطهّرُ الرجاء.
فلسطين لا تبحثُ عن تعاطفٍ موسميٍّ ولا عن كلماتٍ تُقال في مناسباتٍ سياسيةٍ عابرة… هي تبحث عن ضميرٍ ما زال ينبض، عن أمةٍ تعرف أن البوصلة ليست رفاهية، وأن “القدس” ليست ترفًا لغويًّا، بل عقيدةٌ في عُمقِ القلب.
في فلسطين، ترى الأطفال يمشون إلى المدرسة بين الركام، وعيونهم تحفظ جدول الضرب وتاريخ الانتفاضة معًا. ترى العجائز يشعلون سراج الصبر كل مساء، ويقولون: “لن ننسى، ولن نغادر، فهذه الأرض أمُّنا”.
هي ليست قضيةً… بل كرامةُ أمة.
هي ليست نزاعًا… بل امتحانُ الضمير.
هي ليست عبئًا… بل واجبٌ يتقدس كما تتقدس الصلاة.
وإن سألوا: “أين فلسطين؟”
فقُل لهم:
فلسطين في صوتِ المؤذن إذ يُنادي “حيّ على الصلاة” رغم الحواجز،
في دمعِ الأرامل حين يطرزنه بالدعاء،
في ضحكةِ طفلٍ يركضُ خلف طائرةٍ ورقيةٍ بألوانِ العلم،
في الشهداءِ حين يَكتبونَ على جسدِ الموت: “لن نرحل”.
وإن سألوا: “هل ضاعت؟”
فقل لهم:
لم تضِعْ فلسطين، بل نحن الذين ضِعْنا حين تخلينا عنها.
فلسطين لا تموت، بل تمتحن من بقي حيًّا فيها.
![]()
