...
Img 20250714 wa0285

 

الكاتبة منال ربيعي

 

لم تكن صامتة لأنها لا تجد الكلمات، بل لأنها تعلم أن الحكايات إذا قيلت، تنقص، وأن بعض الوجع إن خرج من الفم صار هشًّا، وهي لا تحب أن تخون ما عاشته.

 

كانت تدرك أن قلبها يحمل فصولًا كاملة، فصولًا لو كُشفت، لبكى الغرباء، وارتبكت النهايات، وتغيّر الناس.

 

لكنها حين سُئلت عن ماضيها، كانت تبتسم ابتسامة بعيدة، وتقول: “ليس في الأمر ما يُروى”.

 

بينما الحقيقة أنها حملت على كتفيها جبالًا من الصمت، وخبأت في ذاكرتها ليالٍ لم تنم فيها إلا بدموع داخلية، لم يسمعها أحد، ولم تشأ لأحد أن يسمع.

 

كانت تشبه الكتب القديمة، تلك الكتب التي نمرّ عليها فلا نجرؤ على فتحها، لأن لون جلدها يلمح إلينا بأنها مقدّسة، وأن ما بداخلها لا يُقرأ إلا بروحٍ خاشعة.

 

كلّ ما فيها كان دافئًا، لكنها لفّته جيدًا بالنسيان المقصود، وبالابتسامات التي تزيّن ملامحها كقناعٍ نبيل.

 

لم تكن ضعيفة، بل كانت قوية أكثر مما ينبغي؛ قوة من اختارت أن تتحمّل ولا تُعاتب، أن تُسامح ولا تُشرح، أن تنجو وحدها دون أن تشير إلى الغرق الذي عبرته.

 

لم تكن تكره رواية الحكايات، كانت تعشق السرد، تجيد نسج القصص الصغيرة للأطفال، وتضحك وهي تحكي نُكاتًا لأصدقائها، وتتلو الأساطير كأنها كانت هناك.

 

في قلبها المتوهّج، كانت قادرة على أن تروي العالم، لكنها حين يصل الحديث إلى حكايتها، يصمت كلّ شيء، تُطفئ الشموع، وتُغلق النوافذ، وتُدير وجهها إلى الداخل، وتنجو بصمتٍ يشبه الصلاة.

 

في تلك الحكاية، كانت طفلةً حلمت أن تُحب، وفتاةً تعلّمت أن تخسر، وامرأةً عرفت أن ليس كل من نحبّهم يبقون.

 

وفيها خذلانٌ، لكنها لم تلعنه، وفيها انتظارٌ، لكنها لم تفضحه.

 

وفيها لحظة فارقة، لحظة عرفت فيها أنها إن أرادت أن تبقى نقية، فعليها أن تترك حكايتها لها وحدها، وتمشي بين الناس كأنها صفحة بيضاء.

 

عظمتها كانت في اختيارها، أن تنكر ذاتها، لا لأنها لا تستحق الذكر، بل لأنها لم تُرد أن تكون بطلةً في قصة، بل أرادت أن تكون الراوي الصامت للرحمة، والظلّ الذي يمرّ دون أن يخيف النور.

 

لم ترد أن تكون شهيدة،

ولا قديسة، ولا معروفة.

 

أرادت فقط أن تظلّ وفيّةً لما عاشت، حتى لو لم يعرف أحد شيئًا مما عاشت.

 

فهي تؤمن أن الله يعرف، ويكفيها ذلك.

 

هي ليست امرأةً فقط، هي مقامٌ عالٍ من الرقي، هي الحكاية التي لم تُكتب، لأنها أُودعت في كتابٍ محفوظ، لا يُفتح إلا في حضرة الرحمة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *