كتبت:منال ربيعي
ليس كل سكون غيابًا، وليس كل صمت فراغًا.
في طيّات الهدوء، تتفتّح مقامات خفيّة لا يعرفها إلّا من تعلّم أن يصغي بقلبه، لا بأذنه.
من هنا يولد “مقام السُّكون الواعي”… مقام صوفيّ لا يحتفل به الذاكرون بصوتٍ جهور، بل يتحقّق في اللحظة التي يهدأ فيها الجسد، ويستفيق فيها السرّ.
أنا لم أبلغ هذا المقام دفعة واحدة. بل انزلقت إليه كما تنزلق قطرة الندى على ورقة نعناع في فجر صعيديّ رائق.
كنت أبحث عن الله بين الكتب، بين أروقة المساجد، في نقرات المسبحة وترداد الأسماء…
لكنني لم أجده إلا حين جلست ذات مساء دون رغبة في الكلام، دون رغبة حتى في الدعاء.
جلست. فقط جلست.
ولأول مرة، لم أشعر أنني بحاجة لشيء.
لا كلمة، ولا علامة، ولا حتى استجابة.
كان هناك امتلاءٌ غريب في الفراغ.
وكأن أحدًا يحتضنني من الداخل دون أن يلمسني.
في هذا المقام، لا تطلب شيئًا، ولا تفرّ من شيء.
السكون هنا ليس انسحابًا من الحياة، بل دخول أكثر عمقًا فيها.
تشعر كأنك تتوضّأ بنور، تصمت عن الحواس، فتنطق البصيرة.
أذكر أنني سمعت ذات مرة شيخًا ضريرًا يقول:
كل ما طار قلبك خلفه، أفقدك حضورك. وكل ما سكن قلبك فيه، إنما هو الله.”
وقتها لم أفهم. لكنني الآن أدرك أن السكون لا يعني الكسل، بل يعني الترك الطيّب، والامتلاء بالقليل، والاستماع لما يُقال خلف أصوات الناس، خلف أنينك الداخلي.
قد تكون جالسًا في وسط الزحام، لكنك تنتمي إلى مكانٍ آخر.
قد تكون تُعدّ الطعام لأطفالك، أو تكنس الغرفة، أو تنتظر على باب عيادة… ومع ذلك، أنت حاضر.
حضورك ليس في اليد، بل في القلب.
مثال؟
أمّي، مثلًا، التي لم تدرس التصوّف، ولا تعرف كتب ابن عربي، كانت تدخل هذا المقام دون أن تدري.
حين كانت تصمت أمام الهمّ، وتقول فقط: “ربنا شايف”، ثم تبتسم، وتعود للعجن أو تطبخ، أو تسرّح شعرنا…
كانت في قمة السكون الواعي.
لم تهرب من الألم، ولم تشتكِ كثيرًا، فقط سلّمت.
وتلك هي ذروة المقام.
وهناك من يصله لحظة البكاء الصامت في السجود، أو حين ينظر للبحر دون رغبة في وصفه، فقط ينظر، ويسكت…
هل جرّبت يومًا أن تنظر إلى وجه من تحبّ دون أن تتكلّم؟
دون أن تقول له “أحبك”؟
هذا أيضًا شكل من أشكال السكون الواعي… حيث تتكلم الروح بلغتها، دون تدخل العقل.
في النهاية،
مقام السكون الواعي ليس مرتبة للنخبة، ولا مكرمة للزاهدين فقط.
هو مقام يسكن فينا جميعًا، ينتظر فقط أن نهدأ، أن نكفّ عن الجري، أن نرضى للحظة، ولو للحظة، أن نكون في “الآن”، كما نحن، دون تجميل، دون رغبة، دون فزع.
ووقتها…
تنكشف أشياء لا تُرى،
ويُسمع في القلب ما لم يُقال.
![]()
