كتبت:منال ربيعي
ليست كل المقامات تُبلغ بالكلمات. بعضها يُحَسّ، يُلمس من الداخل، دون أن يُعبَّر عنه بوضوح. ومن أندر هذه المقامات، مقام من نادته الأشياء باسم الله… مقام الذين تُناجيهم الكائنات الصغيرة، لا لأنهم يُصغون، بل لأن قلوبهم صارت مرايا صافية تعكس الخالق دون حجاب.
في هذا المقام لا تتجلى الكرامات في خوارق، بل في صمتٍ مهيب تمر به الكائنات فتطمئن، في عينين لا تحكم بل تحتوي، وفي قلبٍ يعرف الله من غير أن يصفه.
ليست هناك أوراد طويلة، ولا حلقات وعظ، بل هناك سكون…
وسكينة تجعل الورد يفتح أكمامه قربك، لا لأنك أمرته، بل لأنك لا تؤذيه.
هؤلاء الذين بلغوا هذا المقام، لا يَعرفهم الناس بأسمائهم، بل تسبقهم راحةٌ في الجو، وابتسامة على وجه العجائز، وارتباكٌ في قلب الطفل، لأنه يشعر أنه يُرى بنقاء.
تروي امرأةٌ من صعيد مصر أن جدتها كانت لا تعرف القراءة، ولا تخرج كثيرًا، لكنها حين تمشي في الحقول، كانت العصافير تقف على يدها، والخراف تتبعها، والأشجار تهتز كأنها تسلم. لم تكن تدّعي شيئًا. لم تقل مرةً إنها “عارفة بالله”، لكنها كانت تُردد في المساء:
“اللهم اجعلني شيئًا تحبه مخلوقاتك، ولو لم يعرفني أحد.”
وفي قصة أخرى، عن نجّار في دلتا النيل، لم يكن يُحدّث كثيرًا، لكنه كان لا يردُّ سائلاً، ولا يجرح قلبًا، حتى قالت عنه امرأة مسنّة:
“ده بيسمعه ربنا من غير ما يتكلم.”
هذا هو جوهر المقام… أن تكون حضورًا يذكر الله دون أن ينطق اسمه، أن تشبه الماء في نفعه، والهواء في رقته، والنور في قدرته على التسلل دون عنف.
لا أحد يصل إلى هذا المقام لأنه أراد، بل لأن الرحمة صقلته، والحبّ هداه، والتواضع خبّأه عن العيون.
هم الذين حين يُصلّون، لا يُحرّكون شفاههم، بل تتحرك الحياة حولهم استجابةً لسكينتهم.
إنه مقامٌ عميق، لا يُنال بكثرة العبادات فقط، بل بكثرة الصدق، وبقلبٍ يُشبه صمت الطفل حين يتأمل نور الصباح ولا يعرف لماذا يحبّه.
خاتمة:
مقام من نادته الأشياء باسم الله، هو مقام من فهم أن الدعاء ليس دائمًا صوتًا، وأن الذكر قد يكون حضورًا، وأن الحبّ الصادق يُترك في الأثر لا في الأقوال. هو مقام أن تكون عبدًا لله، حتى تشهد ا لأشياء لك… دون أن تقول شيئًا.
![]()
