الكاتبة صباح بن عميرة
أنا الصخرةُ التي ترتجفُ عند حوافّ الذاكرة،
وجهٌ تشقّق بين صمتِ الزمن،
ونحيبِ ماضٍ لم يرحل.
كنتُ أنظرُ إلى المرآة،
فترتدُّ إليّ امرأةٌ لا أعرفها،
امرأةٌ تحملُ وجهي بكفٍّ،
وتكسرني بالكفّ الأخرى.
كأنّ المرآةَ صارتْ شقًّا بيني وبيني،
كأنّي أقفُ أمام صورتي،
وأجهلُ من تكون.
يا وجهي…
يا أيُّها الطينُ المتعبُ من رياحِ العمر،
أأنتَ أنا؟
أم أنني ذبتُ فيك حتى نسيتُ ملامحي؟
أم أنّ شظاياي المعجونةَ بالحيرة،
تلوّنتْ فيك،
فصرتَ قناعًا من فخارٍ باهت،
لا يُشبه صاحبه؟
أعيشُ انقسامًا مريبًا…
نصفٌ يتقنُ الابتسامَ للناس،
يُجيدُ ارتداء الحضور،
يضحك، يتحدّث، يُجامِل،
ونصفٌ آخرُ ينوحُ في داخلي،
ينكمشُ في الزوايا،
يتكئُ على جدارٍ من رماد.
أمشي بقدمين متعبتين،
أشعرُ بكلّ خطوةٍ،
وكأنّها تغوصُ في رمادِ ذاكرةٍ محترقة.
أبتسمُ…
لكنّ وجهي يتفتّتُ بين كلمتين،
بين مجاملةٍ ونداءٍ داخليٍّ لا يسمعه أحد.
يقولون:
الجميلاتُ يُخفين الشروخَ بالكحل،
أما أنا…
فأُخفيها بالهرب،
أهربُ منّي إليَّ،
وأتوارى خلف عباءةٍ من الكبرياء
نسجتُها من خيوطِ جُروحي.
لكنّ قلبي…
آهٍ من قلبي،
كصخرٍ مجروح،
يئنّ كلّما لامسته شمسُ الغياب،
كلّما عبر عليه طيفُ مَن مضى،
كلّما ناداني صوتٌ
يشبه مَن كنتُ،
ولم أعده.
في داخلي امرأةٌ تصرخ،
لا يسمعها أحد،
تتفتّتُ كلّما مرّتْ صورةٌ قديمة
على جدارِ الذاكرة،
كلّما ارتجفَ الليلُ في صدري،
وبدأ يعزفُ لحنَ الانكسار
على أوتارِ الصمت.
كنتُ امرأةً كاملة،
من حلمٍ،
من شَعرٍ يهمسُ للنسيم،
من ضحكةٍ كانت تشبه الغيم،
واليوم…
أنا تمثالٌ من رماد،
ملامحي ترقصُ في الفراغ،
تتساقطُ كأوراقِ خريفٍ نسيه المطر،
كأنّي صفحةٌ مُمزّقة
من دفترِ امرأةٍ كانت تُغنّي للمساء.
لا تقتربوا منّي كثيرًا…
إنّي قابلةٌ للكسر،
كأنّي من زجاجِ الذاكرة،
كأنّ لمسةَ حنينٍ تكفي
لتنثرني شظايا،
وحرفًا واحدًا من اسمه
يكفي ليُفجّرني.
في داخلي ثورةُ غياب،
وسلامٌ مزيَّف،
أُشعلُ شمعةً لأجلي كلّ مساء،
ثم أُطفئها قبل أن يراني الحنين،
أخشى أن يعرفني،
أن يمدّ يده إليّ،
فأنهار.
أنا التي لبستُ وجوهًا لا تُشبهني،
ضحكتُ بأصواتٍ لا تخصّني،
سلكتُ طرقًا لا تؤدّي إليّ،
تقمّصتُ أدوارًا
نسيتُ فيها دوري الوحيد:
أن أكون “أنا”.
أين أنا؟
أين تلك التي كانت تُغنّي في المساء؟
أين ملامحي التي سرقها التعب؟
أين صوتي، أين ظلّي، أين نَفَسي؟
أين أنا… يا أنا؟
أراني أتفتّتُ بين لحظةٍ وأخرى،
كأنّ الحياة مجرّد ضغطةِ إصبع،
كافيةٌ لتهشيمِ تمثالٍ
نحتهُ الحُلمُ في غفلةٍ من الواقع.
أنا لستُ حزينة…
بل مشروخة،
كلّ ما فيّ… منّي،
لكنّه لا يُشبهني،
كأنّني أتنفّسُ من ثقبٍ في الذاكرة،
كأنّني نسيتُ كيف أكون.
فلا تسألوني عن وجعي،
هو أكثرُ من كلمة،
وأقلّ من أن يُفهَم،
هو ذلك الشرخُ الدقيق في الروح،
حين تسقطين من أعلى ذاكرتكِ،
ولا تجدين أحدًا
يلتقطكِ.
![]()
