...
Img ٢٠٢٥٠٧٢٣ ٢١٥٠٥٨

كتب:حسين العلي 

يسعى الإنسان، بفطرته الاجتماعية، إلى نيل القبول في أعين الآخرين، فيجتهد في مدّ جسور المحبة والود، ويبذل من نفسه ووقته وطاقته ما يعتقد أنه كفيلٌ بإسعاد من يحبهم أو يهمه أمرهم. وكثيرًا ما يتحول هذا السعي من مجرّد رغبة إلى ما يشبه التورط العاطفي أو الاستنزاف النفسي، حيث يعمد الإنسان إلى تقديم التنازلات المتكررة، وتجاهل احتياجاته الشخصية في سبيل تلبية رغبات الآخرين، ظنًّا منه أن ذلك هو الطريق الأضمن لنيل محبتهم أو رضاهم.

ولكن، ماذا لو جاءت النتيجة على خلاف ما كان يرجوه؟ ماذا لو قُوبِل هذا العطاء المفرط بالجحود أو النكران أو حتى الاستغلال؟ كيف تكون ردة فعله حينما يكتشف أن من أعطاهم كل ما يستطيع، لم يمنحوه حتى كلمة شكر، أو أسوأ من ذلك، قابلوه بالجفاء والخذلان؟

غالبًا ما تكون هذه اللحظة صادمة. يشعر فيها الإنسان بأنه خُدع، ليس فقط من قِبَل الآخرين، بل من قِبَل ظنونه الطيبة وتقديراته التي ثبت أنها كانت في غير محلها. ويبدأ حينها في مراجعة نفسه: هل كنتُ مغفلًا؟ هل بالغتُ في العطاء؟ هل كانت مشاعري عمياء؟ هذه الأسئلة لا تأتي بدافع التبصّر فقط، بل غالبًا ما تكون مشحونة بالغضب أو بالحزن أو بشعور مرير بالخذلان.

وقد تختلف ردود الفعل من شخص لآخر؛ فهناك من يقرّر أن يغلق قلبه ويمنع نفسه من التورط مجددًا، فيعيش بعدها حذرًا، متشككًا في نوايا الآخرين، يضع الحواجز حتى لا يُلدغ مرة أخرى. وهناك من يتعلم من التجربة، فيضبط ميزان عطائه، ويوازن بين ذاته والآخرين، فيكف عن السعي المحموم وراء رضا الجميع، ويدرك أن العطاء لا يجب أن يكون مشروطًا برد الفعل، لكنه أيضًا لا يجب أن يكون استنزافًا للكرامة.

وهناك فئة أخرى، وهي الأندر، تتسامى فوق الألم، وتواصل العطاء بوعي، دون أن تتورّط في التعلق المفرط أو الانتظار القاتل للاعتراف بالجميل. هذه الفئة تعي أن النُبل لا يجب أن يُهدَر بسبب ردود أفعال الآخرين، وأن السخاء الحقيقي لا يكون رهينًا بالنتائج.

في المحصلة، يبقى السؤال الأهم: لمن نعطي؟ ولماذا؟ وهل ننتظر مقابلًا؟ إن إعادة النظر في دوافع العطاء أمرٌ بالغ الأهمية، لأنها وحدها ما يحمينا من الوقوع في فخ الجحود، أو على الأقل ما يمنحنا القدرة على مواجهته بأقل الخسائر النفسية.

فليس كل من أعطيته يستحق، وليس كل من يستحقك سيطلبك، ولكنك في النهاية المسؤول الأول عن حدود عطائك، ونوعية من تسمح لهم بالعبور إلى قلبك.

وإذا أردنا أن نكمل هذا التأمل الصادق، علينا أن نعترف بحقيقة جوهرية: ليس الجحود صفة طارئة في بعض الناس، بل قد يكون نمطًا متجذرًا في طباعهم، لا يرونه ظلمًا، ولا يعترفون به جرحًا. إنهم يعتبرون ما يُعطى لهم حقًا مكتسبًا، لا منّة فيه، ولا فضل، ويتعاملون مع الحنان على أنه واجب، لا هدية.

هنا، تصبح خيبة الأمل أكبر. فالإنسان لا يُخذل فقط من تصرف الآخرين، بل من اكتشافه أن قلبه الذي اعتقد أنه يبعث الدفء، صار موقدًا التهمه اللهب. وهنا تبدأ رحلة التحول، حيث تتغير ملامح العلاقة، وتُعاد قراءة الأحداث القديمة بنظرة جديدة، فيفهم الإنسان أن محبته لم تكن دائمًا موضع تقدير، وأن صمته عن الإهمال لم يُفهم تسامحًا بل ضعفًا.

لكن لا ينبغي لهذه التجارب أن تدفعنا إلى الكره أو القسوة. بل عليها أن تُنضجنا. أن تُعلّمنا الفرق بين من يستحق قُربنا ومن يستنزفنا، بين من يُنبت الزهور في دروبنا، ومن يَسقيها ملحًا. أن نفهم أن العطاء لا يُقاس بكثرته فقط، بل بحكمته. وأن الطيب لا يعني السذاجة، كما أن اللين لا يعني القبول بالمهانة.

وفي هذه المرحلة، تظهر أولى بوادر الشفاء. يبدأ الإنسان باسترداد ذاته التي أهملها، وبتقدير صوته الداخلي الذي طالما أسكته كي يُرضي غيره. يضع الحدود، لا بدافع الانتقام، بل بدافع الاحترام. ويتعلم أن “نعم” التي كان يوزّعها بتلقائية، يمكن أن تتحوّل إلى “لا” حازمة تحفظ له وقاره وراحته النفسية.

ورغم كل ذلك، يبقى العطاء فضيلة. لكنه يحتاج إلى نضج. فالناضج هو من يعطي دون أن يُفرط، يحب دون أن يُذل نفسه، يضحّي دون أن يُلغى، ويعتذر دون أن يهان. والناضج يعرف أن الحب لا يُثبت بالإنهاك، بل بالاتزان، وأن القلب الذي يحبك لن يُحملك ما لا تُطيق.

وفي نهاية المطاف، على الإنسان أن يطمئن: أن خذلان الآخرين له لا يُنقص من قيمته شيئًا، بل يكشف له حجم الزيف الذي لم يكن يراه. وأن الجحود لا يفضح العاطي، بل يفضح الجاحد. وكل تجربة تُقابل فيها الصدق بالجفاء، هي فرصة لتصحيح الطريق، وتنقية القلب من من لا يستحقون السكن فيه.

فليكن شعاره: أُحب، وأعطي، وأسامح… لكنني لا أُهدر نفسي من أجل من لا يرى

قيمتها.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *