كتبت منال ربيعي
ثمة أرواح لا يكفيها العالم، ولا تُقنعها التجارب، مهما امتلأت حياتها بالأمان، يبقى في قلبها فراغ لا يسدّه شيء. تسير في الدنيا كأنها تبحث عن شيء أقدم من الذاكرة، وأقرب من الدم. ليس حزنًا، بل حنين… إلى نور لم يُنس، لكن لا يُقال.
هذا هو مقام الحنين الأزلي.
أن تشتاق إلى ما لم تره، وتبكي على ما لم تفقده.
أن تمشي وسط الناس وقلبك مشدودٌ إلى جهة لا يعرفها أحد، تسمع صوتًا لا يسمعونه.
في هذا المقام، لا تسأل: متى أرتاح؟ بل تسأل: أين كنت قبل أن أكون؟
تشعر أن الصلاة ليست فرضًا، بل نداءً لاستعادة لحظة أولى، لحظة قال فيها الله: “ألستُ بربكم؟” فقلنا: “بلى.”
من يومها ونحن نشتاق لتلك الحضرة.
رابعة العدوية كانت تبكي دون سبب ظاهر، وتقول: “لي في القلب نداء لا يهدأ.”
والحلاج قال: “أنا من أهوى، ومن أهوى أنا!” فظنوه مجنونًا، لكنه كان في المقام.
وإبراهيم بن أدهم حين سمع النداء في الخلاء، لم يحتج بعدها إلى دليل.
صاحب هذا المقام قد يرى جدارًا قديمًا فيبكي، أو يسمع دعاءً من شيخٍ غريب فيشعر أنه يُخاطَبه بالاسم.
كل لحظة جمال تُبكيه، لا لذاتها، بل لأنها تذكّره بما لا يُقال.
يحب بعمق دون سبب، ويغفر دون طلب، كأن قلبه يعيش في زمنٍ غير هذا الزمن.
وقد يزور مكانًا لأول مرة، فيشعر أنه فيه منذ الأزل.
وقد يسمع بيت شعر أو آية، فتهتز روحه كلها كأنها تعرفها من قبل.
كل ما في الدنيا عنده يُذكّره بالوطن المفقود… بالحضن الذي سبق الجسد، والكلمة التي سبقت الوجود.
هذا المقام لا يُطلب، بل يُكشف.
وإذا فُتح لك بابه، فلن تعود كما كنت.
ستحيا بقلبٍ نصفه في العالم، ونصفه في الحنين…
ولن يُطفئك شيء، سوى اللقاء.
![]()
