كتبت صفاء عبدالله
في زمنٍ تتزاحم فيه الأرواح، وتتقاطع الحكايات دون استئذان،
صار احترام الخصوصية عملةً نادرة، ومسافات الأمان ترفًا لا يُدركه الجميع.
الخصوصية ليست رفاهية، بل حق.
وليست جدارًا تُشيّده لتتخفّى خلفه، بل مساحة تحفظ لك اتزانك وسلامك الداخلي.
أن تترك للناس فسحة يختلون فيها بأنفسهم، دون تطفّل أو إلحاح… هو قمة الاحترام.
لا يحقّ لك أن تطرق أبواب قلوبهم كلما راودك الفضول.
لا يحقّ لك أن تسأل أكثر مما يُقال، أو تقترب أكثر مما يُؤذَن لك.
المسافات بين البشر ليست برودًا، ولا جفاءً، بل حكمة.
فبعض القرب مؤذٍ، وبعض الأسئلة جارحة،
وبعض النوايا – وإن بدت طيّبة – تخدش الصمت وتكسر الخصوصية كأنها زجاجٌ هشّ.
تعامل برُقيّ، وكن ذكيًا في قراءتك للصمت،
فالصمت أحيانًا أوضح من الكلام.
لا تُلزم أحدًا بالإفصاح، ولا تُفسّر تحفظه على أنه غرور.
فلكلٍّ منا عالمه الداخلي، المليء بما لا يُقال، وما لا يجب أن يُقال.
إنّ أجمل العلاقات وأكثرها نضجًا، هي تلك التي تُبنى على احترام الحواجز الرفيعة…
تلك التي لا تُرى بالعين، لكنها تُشعر بها الروح.
لا تسأل عن شيء لم يُعرَض عليك.
ولا تقتحم مساحاتٍ لم تُفتح لك، حتى وإن كنت “مقرّبًا”.
فقد يكون من تحاول أن تقترب منه، يُجاهد لترتيب فوضاه، أو يرمّم شيئًا قد انكسر فيه… احترم ذلك.
كن لطيفًا بما يكفي لتصمت حين يكون الصمت هو اللطف،
وكن نبيلاً بما يكفي لتبتعد حين يكون البعد هو الاحترام.
نحن لا نطالب بالبرودة، بل بالرقي.
لا ندعو للعزلة، بل للفهم… أن تكون حنونًا دون أن تكون مُلحًّا،
قريبًا دون أن تكون فضوليًّا، حاضرًا دون أن تكون متطفّلًا…
هذا هو الفن الحقيقي للعلاقات الإنسانية.
“فاحفظ المسافة… تُحفَظ المودّة والقلوب.”
![]()
