...
Img ٢٠٢٥٠٧٢٢ ٢١٢٥٣٧

كتب: حسين العلي

في عالمٍ تضج فيه الأصوات وتتسابق فيه الصرخات لنيل الانتباه، تبرز كلمات الشاعر والمتصوف جلال الدين الرومي كوميضٍ هادئٍ في عتمة الصخب:

“ارفع كلماتك، لا صوتك. فالمطر هو الذي ينمي الزهور، وليس الرعد.”

هذه العبارة البسيطة تحمل في طياتها حكمة عميقة، ودعوة للتأمل في جوهر التعبير الإنساني، ومدى فاعلية الكلمة الرصينة مقارنةً بالصوت المرتفع. إنها تذكير بأن القوة ليست في الضجيج، بل في المعنى، وأن التغيير الحقيقي لا يحدث من خلال الصراخ، بل من خلال الصدق والبلاغة والحكمة.

الكلمة حين تكون صادقة، عميقة، نابضة من القلب، قادرة أن تخترق جدران الصمت، وأن تُحدث رجعًا في الأرواح، دون حاجة إلى ضجيج. لقد علمتنا التجارب أن الصوت العالي قد يُرهب، لكنه لا يُقنع. أما الكلمة الهادئة، المتزنة، فهي التي تبني، وتُلهِم، وتُثمر. كما أن الزهرة لا تحتاج إلى عاصفة كي تتفتح، بل إلى قطرات مطرٍ صبورة، هادئة، مستمرة.

يحدث كثيرًا أن يرفع الناس أصواتهم في النقاشات، ظنًا منهم أن الصوت العالي سيجلب لهم النصر أو يُثبِت موقفهم. لكن التجربة تُثبت العكس: الصوت المرتفع غالبًا ما يُولد العناد، ويُغلق أبواب الحوار. أما إذا رفع الإنسان كلماته، أي اختارها بعناية، وصاغها بصدق، وقدمها بلغة خالية من التهديد، فإنه يزرع بها بذور الفهم والتلاقي. فكم من مشكلة حُلت بكلمةٍ هادئة، وكم من صداقة تهدّمت بسبب نبرة مرتفعة لم تكن ضرورية.

لقد صار عصرُنا اليوم زمنَ “الرعد الرقمي”. وسائل التواصل الاجتماعي، المنصات المرئية، والبث المباشر جعلت من الصوت العالي وسيلة للانتشار. من يصرخ أكثر، يُشاهد أكثر. ومن يُثير الجدل أكثر، يُتابع أكثر. لكن هل يعني هذا أن ما يُقال يُثمر؟
الحقيقة أن الكثير من هذا الصخب يُشبه الرعد الذي يُرعِب لكنه لا يُنتج مطرًا.
إنّ التحدي الحقيقي في هذا الزمن ليس أن تكون الأعلى صوتًا، بل أن تكون الأصدق لفظًا، والأعمق مضمونًا، والأبقى أثرًا.
كلماتك هي بصمتك، ومهما زاحمك ضجيج الآخرين، فإن الكلمة الصافية لا تضيع. بل تبقى تتسلل إلى القلوب، كما تتسلل قطرة المطر الهادئة إلى التربة العطشى.

في زمن تسوده الضوضاء ، وأصواتُ الشعارات العالية، نحتاج إلى التذكير بقيمة “المطر”، لا “الرعد”. الخطاب الذي يحمل رؤية واضحة، واحترامًا للعقل، وتأملاً في المعنى، هو ما يبقى. أما الخطاب المرتفع، الصاخب، المتشنج، فسرعان ما يتلاشى، لأنه لا يغذي الروح ولا يُقنع العقل.

كيف نرفع كلماتنا؟

١- رفع الكلمة لا يعني التكبر أو الاستعلاء. بل يعني: أن نُحسِن اختيار مفرداتنا، فلا نُهين ولا نجرح.

٢- أن نزن الكلمة قبل أن ننطق بها، فنُفكر بأثرها لا بصداها اللحظي.

٣- أن نتحدث عندما يكون للكلمة معنى، لا لمجرد أن يُقال إننا تكلمنا.

٤- أن نستخدم اللغة في بناء الجسور، لا في إشعال الحروب.

٥- أن نكتب، ونُغني، ونُعلم، ونُحب بالكلمة، لا بالصراخ.

رفع الكلمة هو فعل حكمة، وهو أيضاً فعل محبة. لأن من يحب لا يصرخ. من يحب، يهمس بما يُشبه المطر.

لجأ الرومي إلى الاستعارة حين شبه الكلمة بالمطر، والصوت بالرعد. المطر نافع، لطيف، خير، ينزل بهدوء وينبت الحياة. أما الرعد، فمرتبط بالخوف والضجيج والصخب، ولا يحمل أثرًا نافعًا بحد ذاته. بهذا، يدعونا الرومي إلى أن نكون “مطرًا”: أن نغذي لا أن نرعب، أن نبني لا أن نهد، أن نُحيي لا أن نُرعد.

يا من تحمل الكلمة سلاحًا وفكرًا وأملًا… كن كالمطر، ناعمًا في سقوطك، قويًّا في أثرك، لطيفًا في صوتك، عظيمًا في عطائك.
لا تغتر بالرعد. إنه يزأر ويختفي. لكن المطر، حين ينزل بهدوء، يُنبت الحياة، ويغسل القلوب، ويُعيد للخضرة روحها.

ارفع كلماتك. لأن العالم لا يحتاج إلى المزيد من الضوضاء، بل إلى نغمةٍ صادقة. تشبه همس العاشق، وتُثمر في أرض الإنسان.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *