...
Img ٢٠٢٥٠٧٣١ ٠٠٢٣٤٦

كتب: منير الدايري

في المشهد الثقافي المغربي، يبرز اسم نور الدين الطاهري بوصفه واحدًا من الأقلام التي تشتغل بهدوء وإصرار، على خط التماس بين الكتابة الجمالية والقراءة النقدية. وها هو اليوم يُطلّ بعمل نقدي جديد، يُضاف إلى سلسلة من المؤلفات التي لا تجمعها فقط وحدة الاسم، بل أيضًا نسقٌ فكري متماسك، يؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل مشروعًا لمساءلة العالم.

جاء صدور الكتاب النقدي الجديد ليؤكد هذا المسار الواعي، وليشكّل امتدادًا لما بدأه الطاهري في أعماله السابقة، من “صهيل الكلمات” إلى “شهوة القراءة”، وصولًا إلى “حفريات في الكتابة النسائية”. مؤلفاته لا تُقرأ بمعزل عن بعضها، بل تتكامل فيما يشبه “الأوتوبيوغرافيا الفكرية”، حيث ينحت الكاتب بصبر صورة المثقف الملتزم: الذي يقرأ ليكشف، ويكتب ليحاور.

في عمله الجديد، والذي احتفت به دار النشر العريقة “منشورات النورس”، نلمس روحًا تحليلية أكثر عمقًا، حيث ينتقل الطاهري من تأمل النص إلى تفكيك البنية الثقافية المحيطة به. إنه لا يكتفي بالنقد الأدبي من منظور بلاغي أو فني، بل يُسائل سياقات الإنتاج، وسُلطة المعنى، وأنماط التلقي، كما لو أنه يرغب في إعادة تعريف وظيفة النقد في زمن الانهيارات السريعة.

إن الشكر الذي خصّ به الطاهري الكاتب والصحفي عبد العزيز كوكاس، ليس فقط عربون صداقة، بل اعتراف ضمني بوجود حلقة ثقافية متكاملة، يعمل فيها المبدع والناشر والمثقف معًا من أجل الدفاع عن جبهة المعنى، في وجه التفاهة والزيف والتسليع. فالكُتب لا تولد فقط من رحم الورق، بل من تواطؤ نبيل بين من يكتب بإخلاص، ومن يؤمن بقيمة ما يُكتب.

ما يميز تجربة نور الدين الطاهري أيضًا هو انفتاحه على الأجيال الجديدة من الكتّاب والكاتبات، وتتبعه للكتابة النسائية المغربية والعربية، لا من موقع الوصاية، بل من منطلق النقد الحواري. إنه لا يكتب من برج عاجي، بل من أرض النصوص، ومن أسئلة القارئ المعاصر، الذي لم يعد يكتفي بأن يُقال له كيف يقرأ، بل يريد أن يعرف لماذا يقرأ.

وبين كتاب وآخر، يُعيد الطاهري رسم خرائطه الفكرية، دون أن يتخلى عن يقينه بأن الكتابة مقاومة هادئة، لكنها عنيدة. لذلك، فإن كتابه الجديد لا يجب أن يُقرأ كإنجاز شخصي فقط، بل كحلقة جديدة في مشروع نقدي أوسع، يحتاج إلى الاحتفاء والمواكبة والنقاش.

ملامح العمل النقدي الجديد: قراءة في محاوره الأساسية

يركز هذا الكتاب على ثلاث محاور رئيسية ترسم حدود تفكير الطاهري الراهن:

أولها تحليل الخطاب الثقافي في مواجهة التحديات المعاصرة، حيث يعرض الكاتب خبايا التحولات التي تعصف بساحة الأدب والفكر، متسائلًا عن دور النقد في استعادة قيمته وسط زحمة التبسيط والتسطيح.

ثانيًا، يُولي الطاهري اهتمامًا خاصًا بـتجليات الكتابة النسائية وتطورها في السياق المغربي والعربي، مُنطلقًا من قناعة عميقة بأهمية إعادة تقييم الرؤية النقدية التقليدية التي ظلت لعقود تغفل هذه الأصوات أو تضعها في إطار محدود.

أما المحور الثالث، فهو استكشاف علاقة النص بالقارئ، حيث ينظر إلى التلقي كحوار حيّ لا يحدده المؤلف وحده، بل يتشكل من خلال تفاعل متبادل، مما يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المعنى ومستويات فهمه وتقبّله.

من خلال هذه المحاور، لا يكتفي الطاهري بوصف الواقع أو إدانته، بل يقدم مقاربات فكرية تتيح للمتلقي أن يستعيد قدرته على التفكير النقدي، ويعيد بناء أدواته في قراءة النصوص، ليجد في كل صفحة فرصة للانفتاح على آفاق جديدة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *