كتبت: داليا موسى أحمد حسين
“لا أحد يُولد مجرمًا، ولكن ما الذي يجعل الإنسان يتحوّل إلى مجرم؟”
تحدّث علم الإجرام كثيرًا عن هذه المسألة من خلال العديد من النظريات، مثل نظرية العالم لومبروزو، ونظرية فرويد التي تناولت مفهوم “الأنا”، وغيرها من التفسيرات التي أثارت الجدل وأثّرت في فهمنا للجريمة.
لكن ما ينبغي أن نُسلّط الضوء عليه فعلًا هو: كيف يسلك الإنسان طريق الإجرام وهو يولد نقيًّا كصفحة بيضاء، خالية من الذنوب؟
وهنا تجدر الإشارة إلى الطبيب والعالِم الإيطالي سيزار لومبروزو، الذي ارتبط اسمه ببدايات علم الإجرام، واعتقد أن بعض الأشخاص يولدون مجرمين بالفطرة.
استند في نظريته إلى صفات جسدية معيّنة، كالأنف المعقوف، والجبهة المنخفضة، والفك العريض، معتبرًا أن هذه العلامات تُشير إلى “الطبيعة الإجرامية”.
ورغم أن هذه النظرية لاقت انتقادات شديدة فيما بعد واعتُبرت غير دقيقة علميًا، إلا أنها كانت بداية لفهم الجريمة كظاهرة يمكن دراستها وتحليلها.
ومع تطوّر علم الإجرام، بدأ التركيز ينتقل إلى الجانب النفسي، كما جاء في نظرية سيغموند فرويد، الذي قسّم النفس الإنسانية إلى ثلاث طبقات:
الهوّ: الغرائز الخام التي لا تعرف قانونًا ولا منطقًا، وتبحث عن الإشباع الفوري.
الأنا: الوعي والواقع، الجزء الذي يحاول أن يُوازن بين ما نريد وما يجب.
الأنا العليا: الضمير الأخلاقي الذي يحمل المبادئ والقيم، ويحاسب الذات عند الخطأ.
عندما تتوازن هذه الطبقات، يعيش الإنسان في انسجام داخلي.
لكن حين تضعف “الأنا”، أو يصمت صوت “الأنا العليا”، تُطلق الغرائز العنان لنفسها، وهنا تبدأ أولى خطوات الانحراف.
لكن الأمر لا يتوقف عند الجانب النفسي فقط،
فهناك عوامل اجتماعية واقتصادية تلعب دورًا بالغ الخطورة:
الفقر لا يولّد الجوع فقط، بل يولّد الغضب، والحاجة، والشعور بالنقص.
التمييز الطبقي يجعل البعض يشعر بالدونية والحرمان.
الأسرة المفككة، التنمّر، غياب الاحتواء، العنف المنزلي… كلها تشقّ طريقًا نحو الظلام داخل الطفل.
ولعلّ أخطر ما في هذه العوامل أنها لا تترك أثرًا واضحًا، بل تغرس جذورًا خفية، تنمو في صمت حتى تُثمر عن سلوك إجرامي في يوم ما.
وهنا لا بدّ أن نتساءل من جديد:
هل كان المجرم مجرمًا بالفطرة؟
أم أنه ضحية واقع قاسٍ، وظروف لم تمنحه فرصة ليكون غير ذلك؟
نحن لا نلتمس الأعذار للمجرم، ولا نبرّر ما ارتكبه،
لكنّ فهم الأسباب لا يعني التبرير، بل هو الخطوة الأولى نحو الوقاية.
فالوقاية خير من العقاب،
وبناء مجتمع سليم لا يبدأ فقط بالعقوبات، بل بفهم العوامل التي تدفع الإنسان للانحراف، والسعي لتغييرها من الجذور.
تنويه:
هذا المقال يُعبّر عن وجهة نظري ككاتبة، وهو لأغراض توعوية وتحليلية فقط، ولا يُمثّل استشارة قانونية أو رأيًا ملزمًا بأي جهة.
![]()
