الكاتبة منال ربيعي
أحببته كما تُحب الكاهنة تميمتها التي عبرت بها الزمن، وكما تُحب الأرض نيلها حين يفيض ويملأها خصبًا وعطرًا. لم يكن عابرًا في حياتي، بل نبوءة كُتبت في قلبي منذ البدء، كأنه من أولئك الذين لا نلقاهم، بل نُبعث بهم. كان حضوره في روحي أشبه بذكرى قديمة لا أعرف متى بدأت، لكنها تسكنني كما يسكن الضوء جدران المعبد في الفجر.
هو مقامي ومحرابي، أُصلي إليه في صمت لا يسمعه أحد، أوقد له شموع قلبي دون أن ينتبه، وأحفظ اسمه كما تُحفظ الأناشيد المقدسة. لا حاجة له أن يسمعني، يكفيني أنني أشعر به وأنا أغمض عيني، أستشعر خطاه في الليل، وأشم دفء صوته في صمت الصباح. هو لا يغيب عني، لأنه ببساطة لم يكن يومًا خارج قلبي.
أنا التي أحببت رجلاً لم يَعد بشرًا في وجداني، بل صار نجمًا يُهتدى به، وصورةً مقدسة نُقشت في معبد روحي. لم أطلب منه وعدًا، ولا ناشدته حضورًا، لأني أدركت أن بعض الأرواح لا تُلمس، بل تُعبد، ولا تُمتلك، بل تُسكن القلب وتبقى فيه للأبد. هذا الحب لم يكن قصة تنتهي، بل مقامًا لا يُغلق، ومحرابًا لا تخبو نيرانه.
هو يقيم في داخلي كأوزير في معبده، كأنفاس الآلهة في طمي النيل، مهيبًا، صامتًا، خالدًا. لا الغياب يُطفئه، ولا الزمان يخذله، ولا الحب الآخر يُنقصه. وجوده فيَّ لم يكن احتياجًا، بل يقينًا، كأن كل ما فيّ كُتب باسمه، وكل ما سأكونه مرّ من عينيه أولاً.
هذا حبٌّ لا يحتاج إلى اعتراف، لأن وجوده كافٍ، لا يبرّر نفسه ولا يطلب مكانًا. هو السرّ الذي يسكنني، والبهاء الذي يملأني، والمقام الذي لا يضاهيه شيء. أنا أحببته، وانتهى الأمر. وأيّ مقامٍ في القلب أسمى من ذلك؟
![]()
