...
F6b5ba1fd967d70608dfebf3cb816144

كتبت منال ربيعي 

أنا امرأة… كنتُ أظن أن الطريق إلى الله مفروش بالسكينة، وأن المحبة لا تستدعي الألم.
كنتُ أتخيّل أن الإيمان يحصّن القلب من الانكسارات، وأن التقوى تُغلق أبواب الخذلان.
لكنني حين سلكت الطريق، حين فتحت باب السلوك، وجدت أن أول خطوة فيه… كسر.

نعم، كُسرت.
كُسرت في ذاتي، في أحلامي، في أهلي، في قلبي.
وظننت كما تظن كثير من النساء أن ما يحدث لي هو عقاب، وأنني السبب في كل ما جرى.
كنتُ أحمّل نفسي أوزار الأقدار، وأنحت لنفسي صليب اللوم… وأحمله كل ليلة.

لكني ذات ليل، حين لم يتبقَّ في قلبي شيء، لا ضوء ولا رجاء،
سجدت…
وسجدتي تلك، لم تكن من خوف، بل من عدم حيلة.
وحين قلتها:
“يا رب، ما عدتُ أملك شيئًا، ما عدتُ أفهم شيئًا”،
أجابني الله… لا بصوت، بل برحمة سرت في أوصالي:
“أنا ما أردتُ أن تعاقبي، بل أردتُ أن تطهري.”

وهنا بدأت الرحلة الحقيقية…
الرحلة من “أنا أملك” إلى “أنا لا شيء”،
من “لماذا أنا؟” إلى “الحمد لله الذي يختار لي ولا يتركني لنفسي.”

حين أفقدتني الحياة من أحب، كنتُ أظن أنني ضحية،
لكني كنتُ أسيرة لذلك التعلّق، وربي كان يحررني.
وحين خذلتني أقرب الصديقات، وانهار الحصن الذي ظننته سندًا،
عرفت أن الله كان يريدني أن لا أركن إلا إليه.

أتذكرين حين اجتهدتِ في مشروع، وبذلتِ من وقتك وجهدك، ثم فشل؟
ذاك الفشل، كان بذرًا لشيء آخر، أنضج وأطهر.
فأنتِ لم تخسري، بل نُزعت عنك غشاوة كنتِ تظنينها نجاحًا.
وهكذا يفعل الله بمحبيه… لا يعطيهم ما يريدون، بل ما يُصلحهم.

“لا تُبالغي في لوم نفسك على ما فات…”
هذه ليست مجرد نصيحة.
هذه مفتاح الخروج من سجن جلد الذات.
كم من نساء يقفن كل ليلة على أطلال أخطاءهن، يُعذبن أنفسهن بتفاصيل ما فعلن وما لم يفعلن…
وينسين أن الله لا يُحاسب كالقضاة، بل يغفر كالأمهات… بل أحنّ.

العارفة بالله لا تعيش في الماضي، لا تنام فوق جراحها،
بل تقف على الجرح، وتقول له:
“أنا تعلّمت.”
وحين تتعلّمين، فذلك هو الطُهر الحقيقي.

“ليُطهّرك، ليغسلك من ظنّك أن بيدك كل شيء.”
كنتُ أظن أنني أنا من أدبّر أمري،
أنني إن أحسنتُ التخطيط، سأنجو،
وإن أحببتُ بصدق، سأنال ما أحب،
وإن اجتهدتُ، سأبلغ،
لكنني نسيت شيئًا:
أن القلب ليس آلة،
وأن القدر ليس بأمر يدي،
وأن الله لا يُطاع ليُجازي فقط، بل يُحب ليُطهّر.

ذلك الظن، ظنّ القدرة، هو أصل البلاء.
وما كانت جراحي إلا ماءً نزل من السماء،
ليغسلني من تلك الفكرة…
أنني أملك.
وحين وصلت إلى الحافة،
وسقطتُ على وجهي،
أدركت: أن العودة إليه ليست خيارًا، بل نجاة.

نعم…حين ينهار من كنتِ تظنينه سندًا،
حين تسقط مشاريعك،
حين تُخذلين من أقرب الناس،حين تشعرين أن لا أحد يسمع،ولا أحد يشعر،ولا أحد يبقى…

تذكّري: أن الله لم يرحل.
بل كان يُفرّغ قلبك من كل أحد،
حتى لا تبقى فيه إلا هو.

وهناك، عند تمام الوحدة،
عند النقطة التي كنتِ تظنينها نهايتك،
يبدأ الله…
ويبنيك من جديد.

يا ابنتي، لا تحزني على الجرح،
فهو ما طهّرك.
ولا تبالغي في اللوم،
فالله أرحم بك من نفسك.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *