...
Img 20250807 wa0014

بقلم محمد حسن

في عالم يزداد قسوة وتسرعًا، بات من النادر أن تجد من يضع الآخر في قلب أولوياته. ومع ذلك، تظل هناك شخصيات استثنائية تقاوم هذا الجفاف الإنساني، وتعيد تعريف معنى العطاء الحقيقي. ومن بين هذه الشخصيات، تقف هبة الكيلاني، امرأة قررت أن يكون كل يوم في حياتها خطوة في طريق خدمة الناس، لا طلبًا للثناء، بل إيمانًا عميقًا برسالة خُلقت لتحملها.

هبة الكيلاني، ابنة محافظة أسوان، امرأة في منتصف الأربعينات، لكنها سبقت عمرها بأثرها لا بعدد السنين. لا تملك شركات ولا تدير حملات إعلامية، لكنها تدير قلوبًا كثيرة، وتفتح أبوابًا أُغلقت على فقر أو وجع أو نسيان.

بصمت الواثقين، وبخطوات من لا يهاب الطريق الطويل، اختارت هبة العمل المجتمعي لا كمهمة جانبية، بل كمشروع حياة. تشغل منصب المدير التنفيذي لجمعية “المنار”، لكنها لا تكتفي بالمهام المكتبية، بل تتعامل مع كل حالة إنسانية كأنها تخصها شخصيًا. تدير الجمعية بروح الأم، لا بقوانين الإدارة فقط.

أنشأت حضانة “رحيق الجنة”، التي احتضنت عشرات الأطفال ووفّرت لهم بداية تعليمية وإنسانية كريمة. وأدارت مطبخ “الأمل الخيري”، الذي تحوّل إلى طوق نجاة لأسر كثيرة لا تجد قوت يومها. كما تبنّت مبادرات لتوفير العلاج لمن لا يملكون ثمن الدواء، وساهمت في مشروعات توصيل مياه إلى منازل مهملة، ووزّعت ملابس على أطفال لم يعرفوا دفء الشتاء من قبل.

كل ما فعلته هبة لم يكن نتاج تمويل ضخم، بل نتاج إيمان لا يهتز، وجهد لا يتوقف، ورغبة صادقة في أن تظل قريبة من الناس، تنتمي إليهم، وتعيش واقعهم.

ولأن الطريق لا يكون سهلًا، واجهت صعوبات كثيرة: نقص الموارد، وعزوف بعض المتبرعين، والتحديات اللوجستية. لكنها كانت ترد دومًا: “الخير لا يتوقف… حتى إن توقّف الدعم، هناك دومًا باب يُفتح”.

ما يميز هبة أنها لا ترى في العمل الخيري نوعًا من التفضل على الآخرين، بل تعتبره واجبًا، وكأنها تؤديه لنفسها، لا لغيرها. ترى في كل يد ممدودة طلبًا للمساعدة فرصة لتقترب أكثر من إنسانيتها، لا مناسبة لإظهار بطولات.

في رحلتها، لم تكن وحدها. فقد وجدت في الحاج محمود سيد، رئيس مجلس إدارة جمعية المنار، شريكًا مؤمنًا بنفس الطريق، وسندًا حقيقيًا مكّنها من مواصلة مشوارها رغم كل التحديات.

قصة هبة الكيلاني ليست مجرد حكاية سيدة تمارس العمل الخيري، بل هي نموذج لامرأة قررت أن تملأ الفجوة بين الحاجة والتجاهل، بين الضعف والإهمال، وأن تظل الجسر الذي يعبر من فوقه الآخرون إلى حياة أفضل.

إنها لا ترفع شعارات، لكنها تجسّد كل ما يُكتب عنها من قيم. ليست في دائرة الضوء، لكنها تنير الحياة لغيرها. وهنا، في هذا الدور البسيط العظيم، تكمن عظمتها الحقيقية.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *