الكاتبة رحمة سُليمان
في اليوم الثاني من عملي كمعلمة في مدرسة ابتدائية بالريف، بعد انتقالي من القاهرة بسبب ظروف خاصة حدثت لي، دلفتُ إلى غرفة المعلمين بعد الطابور الصباحي. كانت الغرفة شبه خالية؛ فالمعلمون إما في حصصهم أو لم يصلوا بعد. جلست وحدي، أعددت كوبًا من الشاي، وبدأت أعيد مراجعة دفتر الحصص، يملؤني شعور غريب: توتر، خوف، رهبة… كأنها المرة الأولى التي أشرح بها.
قطع ذلك الشعور دخول زميلتيّ ميرفت وهالة. كنت قد تعرفت عليهما في اليوم الأول، وأصبحنا زميلات. سلّمتا عليّ وجلستا، ثم نظرتا إلى المقعد المجاور لي باشمئزاز، وقالت إحداهما:
— “لله الحمدُ لم تأتي يا إلهي.”
اردفت الأخرى هامسة:
— “لن أمضي لها، ليس لنا شأن بها.”
سألت بتعجب:
— “عن من تتحدثان؟”
أجابت ميرفت:
— “عن نادية، تلك معلمة معنا. خبيثة، متكبرة، لا تُطاق.”
وأضافت هالة:
— “رأيتها أمس تسير مع رجُل، وما إن رأتني حتى تغير لون وجهها من الإحراج.”
استمرتا في الحديث عنها، بينما كنت أستمع بصمت. ثم دخلت نادية، تلهث، وسلّمت علينا، وجلست وسألت:
— “ألم يوقّع أحدًا لي اليس كذلك؟”
أجبتها بابتسامة خفيفة:
— “أنا وقّعت لكِ.”
نظرتا إليّ بغيظ، وردّت نادية بعفوية:
— “شكرًا، أنتِ المعلمة الجديدة، صحيح؟”
— “نعم، اسمي سلوى.”
ابتسمت وقالت:
— “تشرفت بكِ.”
حين حان موعد حصتي حملتُ أغراضي، وتوجهت إلى الفصل. بدأ التوتر يتلاشى بمجرد أن بدأت الشرح. وبعد قليل، دق جرس الفسحة، خرج الطلاب، وبينما كنت أجمع أغراضي، قابلت نادية على السلم، تحمل كوب قهوة قالت أنها أعدته لي. أصرّت أن نجلس في فصلها بعيدًا عن غرفة المعلمين، وتحدثنا كثيرًا. عرفت أنها من قرية قريبة من سكني، وعزمت عليّ أن نعود سويًا.
دخل طفل يحمل كتابًا، يطلب منها شرح جزئية لم يفهمها من معلمه، ورفض شرحها له مجددًا. رحّبت به مُبتسمة وشرحت له، رغم أنها ليست معلمته. علمت أنها لا تعطي دروسًا خصوصية، بل تشرح مجانًا لأي طفل يحتاج المساعدة. ربما هذا ما جعل بعض المعلمين ينفرون منها.
ثم أخرجت هاتفها، واتصلت بأخيها لتخبره ألا يأتي، لأنها ستعود معي. ومع حديثنا أرَتني صورة عائلتها، وقالت مبتسمة:
— “هذا أخي الذي رأيتِه معي في الصباح، هو من يوصلني دائمًا، ويعود يأخذني في المساء.”
سألتها:
— “ولماذا تخبريني بذلك؟”
أجابت:
— “لكي لا تأخذي عني فكرة سيئة كما فعل الآخرون، لستُ بحاجة التبرير لهن، ولكنني شعرتُ براحة لكِ. ليس لدي أصدقاء هنا، والجميع يتجنبني دون سبب. ارتحت لكِ.”
في اليوم التالي، وبعد انتهاء حصصي، قابلت ميرفت وهالة. سلّمت عليهما، لكنهما تجاهلتاني. ثم قالت هالة:
— “أنا ذاهبة إلى فصل 3/3، أولاد مزعجون، وأناس يعكرون مزاجي في الصباح برؤيتهم.”
وأضافت وهي تنظر إليّ بقرف:
— “الطيور على أشكالها تقع.”
دخلت وجلست، غير مستوعبة ما يحدث. سألت ميرفت:
— “ماذا تقصد بكلامها؟”
أجابت:
— “نحن مستاؤون منك.”
— “أنا؟ لماذا؟”
— “نحن حذرناكِ من نادية، ثم تذهبين وتصاحبينها؟”
رددت بعصبية:
— “تقصدين أن أشارككم في النميمة؟ اليوم نممتم عليها لأنكم رأيتم شيئًا وصدقتموه، وغدًا ستتحدثون عني أنا أيضًا.”
تركتها وخرجت، ودخلت الحمام، أغلقتُ الباب علي، وتطايرت دموعي دون إرادتي، وهناك تذكرت السبب الذي جعلني أترك القاهرة. أناس مثل ميرفت وهالة كانوا يتحدثون عني بالسوء في كُل مكان لمجرد وجهة نظر خاطئة، وأشخاص ابتعدوا عني لأنهم صدقوا ما قيل عني دون أن يواجهوني. في فترة من الفترات، كدت أنتحر بسبب ذلك.
لهذا، لم أعد أحكم على أحدًا إلا من خلال معاملتي معه، لا من كلام الأناس عنه.
فلنحترم بعضنا البعض، فليس كل ما يُقال عن شخص صحيح، وقد تؤذي إنسانًا بسبب إشاعة لم تتحقق منها، وبدأت تنشرها وتسيء إلي صاحبها، حتى وإن كنت غير مصدق لها في داخلك.
قال الله تعالى:
*”أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ”*
![]()
