...

خيطٌ من ضوء

أكتوبر 23, 2025
Img 20251022 wa0106

 

الكاتبه أمل سامح

 

كانت “هي” تشبه الصباح قبل الشروق… لا يراها أحد، لكن في داخلها وعدٌ بالنور.

نشأت في بيتٍ بسيط على أطراف المدينة، حيث تعب الأب في ورشة صغيرة، وحلم أن يرى ابنته تكبر لتصنع شيئًا لا يُشبه أحدًا.

كانت طفلةً عنيدة، تصنع من بقايا القماش دُمى صغيرة وتقول: “هعمل منهم حاجة كبيرة يومًا ما.”

ضحك الجميع، لكن أحدًا لم يفهم أن خلف ابتسامتها الصغيرة حلمًا عنيدًا لا ينام.

 

مرت السنوات، وتخرجت من الجامعة لتجد الواقع أكثر قسوة مما ظنّت.

الفرص شحيحة، والوجوه متشابهة، والأنظمة لا تنتظر من يحلم.

رفضت الوظيفة المضمونة، وقررت أن تبدأ من الصفر.

كانت فكرتها بسيطة حدّ السذاجة في نظرهم: أن تعيد تدوير مخلفات المصانع القماش الملقى لتصنع منه منتجات عصرية صديقة للبيئة.

قالوا: “مشروعك مش هينجح… الناس عايزة الجديد مش القديم.”

لكنها ابتسمت، لأنّها رأت فيما يرفضه الآخرون كنزًا لا يُقدَّر بثمن.

 

بدأت من غرفة صغيرة فوق سطح بيتها، ماكينة خياطة مستعملة، وبعض الخيوط الممزقة.

كانت الليالي طويلة، والبرد قاسٍ، والأمل خافتًا كشمعة في مهبّ الريح.

سقطت مراتٍ كثيرة… أحيانًا بدموعٍ، وأحيانًا بصمتٍ يشبه الانكسار.

لكنها في كل مرة كانت تعيد تشغيل الماكينة، وتخيط وجعها في كل قطعة.

لم تكن تصنع منتجات فحسب، بل كانت تخيط قصةً جديدة عن امرأة تصرّ على أن تنهض مهما انكسر فيها شيء.

 

بمرور الوقت، بدأ الناس يلاحظون ما تصنعه.

أحد المعارض دعاها للعرض، ثم جاء التمويل، ثم تحوّل حلمها إلى مشروعٍ صغير يضم نساء من قريتها.

نساءٌ لم يمسكن خيطًا من قبل، لكنهن أمسكن بالحياة من جديد.

تعلمْن أن بإبرةٍ وخيط يمكن للإنسان أن يرقّع قلبه قبل ثوبه.

 

وفي ليلةٍ مشبعة بالدهشة، وقفت “هي” على مسرحٍ يملؤه الضوء، تتسلم جائزة الابتكار.

لم تتحدث عن الأرقام ولا عن الأرباح، بل نظرت للجمهور بعينين تلمعان وقالت:

 

> “أنا بدأت من قمامة المصانع… بس الحلم عمره ما كان قمامة.

الحلم خيط من ضوء… لو مسكته بإصرار، يوصلك للنور مهما كانت العتمة.”

 

 

 

ساد الصمت لحظة، ثم انفجر التصفيق.

لم يكن الجميع يصفق لمشروعها فقط… بل لتلك الروح التي لم تسمح للانكسار أن يكون النهاية.

 

ففي كل امرأةٍ مثلها، هناك وطنٌ صغير يُعاد بناؤه من فتات الأمل.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *