الكاتبة رفيدة فتحي
“نفحة من نفحات هواء ديسمبر الباردة، بعد دخول عام دراسي جديد مليء بالمغامرات والتحدي لدى البعض للإطلاع على علمٌ جديد داخل هذه الكتب بين السطور التي تَبني العقول، ولكن لمن يختار هذه الرحلة متشوقًا لمعرفة كل جديد.
قاعة رقم واحد، يجلس مؤمن بمعطفه الجلدي عابس الوجه على المقعد الأمامي بعد أن أمره المعلم أن يتقدم للأمام ويتخلى عن المقعد الخلفي الذي يلازمه دائمًا، ولكنه كعادته يخوض رحلة داخل نفسه، ناسيًا العالم من حوله، معتقدًا أن هذه الطريقة تجعل الوقت يمر سريعًا ولا يشعر بالمكوث طويلًا داخل هذا المكان الذي بنسبة له كالجحيم.
وبعد قليل التفت إليه المعلم ليأمره أن ينهض لحل هذه المسألة التي كتبها أمامه على السبورة، ولكن سرعان ما اتسعت عيناه في ذهول من شروده الدائم. أخذ نفسًا عميقًا في أسف وسأله ليقطعه عن شروده…”
-مؤمن، إنهض وحل هذه المسألة.
نظر مؤمن إلى المسألة بلا مبالاة ثم هز رأسه المستدير في أسف قائلًا:
ـ لا أستطيع.
تقدم إليه المعلم ونظره إلى عينه مباشرةً وسأله عن سبب ادعائه دائمًا بأنه لا يعلم.
طأطأ مؤمن رأسه في أسف وأجاب: المعلم أنه لا يهتم بواجبات المدرسة ولا يفتح الكتب، لذلك لن يستطيع حل أي مسألة. ضحك تلاميذ الفصل عليه وظلوا يهمسون إلى بعضهم البعض، فأشار إليهم المعلم أن يصمتوا بعد أن شعر بإحراجه.
ثم التفت ليكمل المحاضرة وهو ينظر إلى مؤمن بشفقة. وبعد مرور نصف ساعة ارتفع صوت تهليل التلاميذ لانتهاء المحاضرة وخرج كل منهم متوجهًا إلى ساحة المدرسة واحدًا تلو الآخر. عاد مؤمن الذي أمره المعلم أن ينتظر قليلًا ثم أشار إلي المقعد الخشبي وأخبره أن يجلس أمامه وسأله بعد أن تأكد من خروج جميع الطلاب عن سبب اكتراثه لطلب العلم وإهمال واجبات المدرسة.
نظر إليه مؤمن في تردد ثم هز رأسه بأسف قائلًا:
-لا أحب العلم،
-لماذا؟ لأنه صعب.
-هل جربت لكي تحكم؟
هز مؤمن رأسه في صمت.
رمقه المعلم بنظرة عطف وأخبره أن هذا سبب ما يجعله لا يستطيع أن يجيب على المسائل التي يطرحها عليه، لذلك يجب عليه أولًا أن يتخلى عن هذه الفكرة السلبية ويعطي لنفسه فرصة ليجرب، والأهم أن يجعل هذه التجربة تنبع من داخله ويعتبرها كتحدي له.
ثم سأله:
-ما هي أكثر مادة صعبة بالنسبة لك؟
نظر إليه مؤمن في صمت وهو يضع يده على رأسه مفكرًا ثم أخبره: أنه لا يعلم أي مادة بالضبط ولكنه يكره جميع المواد خاصة مادة الرياضيات.
أبلغه المعلم سليم أن يجعل هذه المادة كتحدي له، يركز في المحاضرة جيدًا، والذي لا يفهمه يخبره به لكي يشرحه له مرارًا وتكرارًا، ولا يخجل من السؤال، وعليه أن يتذكر دائمًا كما قيل: اثنان لا يتعلمان: الخجول والمتكبر، حيث يمنع الحياء من طرح الأسئلة ويمنع التكبر من الاعتراف بالجهل أو الحاجة للمعرفة.
أومأ مؤمن برأسه موافقًا ووعد معلمه أنه من اليوم سيعطي نفسه الفرصة للمحاولة. وبالفعل، بعد التجربة تأتي المعرفة.
أصبح مؤمن مع الأيام يتقدم يومًا بعد يوم، واكتشف بعد عدة أشهر أنه يحب الكثير من المواد خاصة مادة الرياضيات.
وبعد مرور عدة أعوام يقف دكتور الجامعة على الطلاب يدرسهم هذه المادة بطريقة سهلة وبسيطة لدرجة أن حبها جميع الطلاب بسبب تميزه الذي عرف به. عن مؤمن أتحدث يا أصدقائي.
![]()
