...
Img 20251028 wa0308

 

 

 

الكاتبة رحاب أبو السعود

 

الآن، بعقدي السادس، من أزمنة عدة مرت على هذا الجسد البالي، وتلك الشعيرات المتطايرة، ولم تفكر بالعودة مكانها مرة أخرى… أجلس هنا بينكم، أصدقائي من سرب الحمام، ألتمس السعادة التي توقفت خارج باب منزلي… تلك السعادة لم تفكر بالدخول لصالة استقباله حتى.

تقدمت إحدى الحمامات، وقالت لي:

ـ ما بالك اليوم تبدو متعكر المزاج؟

 

أجبتها بعد صمت ثقيل:

ـ اليوم هو ذكرى وفاة زوجتي وأولادي.

 

ـ شيء مؤسف، لم تحدثنا من قبل عن موتهم.

 

ـ حقيقة، لأنني كلما آتي إليكم، أنفض عن رأسي رماد ذكريات حزينة لبعض الوقت… لكنه اليوم هو ذكرى وفاتهم بذلك الحادث المفجع، حيث سيطر علي استحضاره بكل تفاصيله الأليمة، والتي صاحبها دومًا الخزي والعار من نفسي.

 

ـ إنك تأتينا كل أسبوع، يوم الجمعة، بطعام وشراب… تستمع منا وتنصحنا وتطعمنا وتسقينا، وكنا أنانيين معك، لم نسألك يومًا ما قصتك؟

 

اجتمع الحمام حولي منتظرًا مني الحديث… لكنه طال انتظارهم، وطال صمتي.

غابت نظراتي عن أرض الواقع، وعاد الزمان بي عقدين من الزمان… حينها كنت عائدًا من رحلة بحرية، “عقيد قبطان حسام صلاح الدين”، ضابط ناجح، وأحب البحر وعملي.

دخلت من باب المنزل الثانية بعد الظهر، فلم أجد أحدًا باستقبالي كعادة زوجتي “عبير” وأولادي، كانوا ينتظرون خلف باب المنزل لاستقبالي أول يوم في إجازتي الشهرية، وبذلك اليوم البائس لم أجدهم.

وضعت حقيبة سفري بجوار الباب، ذهبت لتبديل ثيابي بملابس أكثر راحة، ناديت، لم يجبني صوت… دخلت المطبخ، لم أجد طعام الغداء مُعدًا… انفعلت، وقمت برمي الأدوات الفارغة من على الطاولة… كيف لهم أن يتجاهلوا وجودي ويذهبوا لأي مكان؟

عاندت، ولم أتصل، فهم بالطبع من عليهم أن يهتموا ويبحثوا عني.

ذهبت للنوم، ولم أعبأ بالبحث عن سبب غيابهم.

 

مساءً… وقت الغروب

دخلت عبير بلهفة مرهقة، يبدو عليها آثار عدم النوم، وملابسها مجعدة، ومايا خلفها لا تبدو أفضل حالًا من أمها… متعجلة، وأخذت نفسًا طويلًا وقد شعرت بشيء من الاطمئنان:

ـ سيارة بابا تحت المنزل.

 

ـ الحمد لله، يبدو أن والدك جاء، سنجد من يساعدنا، لقد كدت أن أنهار وحدي، وجوده سيجعل الأمور أكثر سهولة، والاهتمام بحالة أخيك أخف حملًا علينا ونحن بهذا الوهن والقلق.

 

مايا:

ـ سوف أعد حقيبة، وبعض العصائر والأطعمة الخفيفة، لم نأكل من أول أمس… وأجمع جميع أشعة أخي معاذ من أول متابعتنا لمرضه، وأخبري أنتِ والدي، واستعدوا لنذهب.

 

بالغرفة، ابتسمت بحنان لنومي، وقالت:

ـ عجبًا! طوال اليوم وأنت هنا ولم تبحث عنا!

ربّتت على يدي، وعندما أفقت، نظرت إليها، وبصوت يكاد أن يكون معدومًا، بكت، وأخبرتني بمرض ابني معاذ، وأنه يحتاج لمتابعة، وحالته حرجة.

وكل ما فعلته أن أعطيتها بعض المال، ثم تحركت لارتداء بدلة مناسبة لسهرتي مع أصدقائي… وغضبي على عدم استقبالهم لي اليوم يسيطر على عقلي.

 

عبير:

ـ ألن تأتي معنا؟

 

ـ لا، لدي موعد عشاء مع زملاء الدراسة.

وقمت للاستعداد.

 

عبير:

ـ هل ستتركنا كعادتك، حتى مع حالة ابنك الخطيرة وعدم تقبله للعلاج؟

 

ـ الالتهاب الرئوي ليس خطيرًا، ولن يحدث شيء، سوف آتي بعد العشاء.

تركتها ونزلت.

 

مايا:

ـ أين ذهب؟

ـ هيا لنذهب لأخيكِ.

 

في المستشفى

الطبيب:

ـ للأسف، الحالة متأخرة، نحتاج لنقله لمستشفى الصدر بأسرع وقت، فنسبة التلف بالرئة كاملة.

 

عبير وهي ترتجف:

ـ اتصلي بوالدك، لن أستطيع القيادة وأنا بذلك التوتر.

 

الطبيب:

ـ المريض سينقل بسيارة الإسعاف، ومعه ممرض وطبيب فقط، منعًا للعدوى.

 

مايا:

ـ هاتفه مغلق.

 

جرت مايا وعبير بسيارتها خلف سيارة الإسعاف، ودموعهما منهمرة، وأغلقت الرؤية أمام زوجتي التي ضعفت مقاومتها… وأدركت كم مرّ عليها من زمان وهي وحدها…

تذكرت محاربتها وحدها، ورعايتها أبناءنا وحدها، وأنانيتي معهم طوال سنين زواجنا.

 

وفجأة، قاطعتهم سيارة تسير بالطريق المخالف، فانقلبت سيارتهم… ومات معاذ في المستشفى… ولم أعلم إلا بعد يومين من وفاته، بسبب انشغالي بوفاة أخته وأمه.

 

في الواقع الحالي

شعر حسام بالحمام ينتفض فجأة، وارتفع جميعه يتخبط بعضه في بعض، في خلل غير مفهوم، ثم نزل بعضهم على كتفه.

يحدث نفسه:

ـ حتى الحمام شعر بالعار مني.

وحَمامات أخرى تربّت بجناحها، وتنقر بلطف على كتفه، وهو يبكي ويرتجف.

 

قالت له الحمامة:

ـ هذا نصيب، والأقدار بيد الله.

 

حسام:

ـ أنا من كان سببًا بانهيار بيتي، وموت ابني وعائلتي.

أحببت نفسي قبل الجميع، فتركني الجميع لنفسي تنفرد بتدميري… عدوتي التي لا أطيق النظر إليها حتى بالمرآة.

 

تقدمت منه إحدى الحمامات، بيضاء اللون، عجوز، وقالت:ـ ندمك هو أكبر دليل على إخلاصك، وأنتم البشر، رغم تميزكم بالعقل، لكنه عند الغرور والغضب ينغلق تمامًا… لكن الآن يمكنك إصلاح ما مضى، فكر بما يمكنك تقديمه ليسامحك الله، أكثر من مجرد إطعام الحمام والبكاء… افعل خيرًا، ساعد محتاجين، واجعل الباقي من أيامك مثمرًا لك ولأحبابك الراحلين، كهدية من أب لهم ما زال في الدنيا، حتى يأتيكم اللقاء.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *