...
Img 20251023 wa0045

 

 

الكاتبة مها زايد

 

كان حبيبها إغار أحد أمراء مملكة فِلاما (مملكة النار)، والذي يبلغ من العمر ثلاثون عامًا، ويُعد الابن الأكبر للملك “جمر”، حيث يصغره في العمر بثلاث سنوات الأمير آزار، وبخمس سنوات الأمير فِلام، والذي يُعد الابن الأصغر والمدلل لدى أبيه.

 

ورغم علم كاميليا بمدى الكره والعداوة بين الملك جمر وأبيها، إلا أنها وضعت كل هذا جانبًا أمام حبها للأمير إغار، وكانت تعتبر أن استغاثتها به يعد الخيار الأنسب في هذا الوقت، حيث إنه يتمنى التخلص من أبيها بأسرع وقت.

 

لبّى الأمير إغار النداء، وحضر على الفور في نفس المكان السري الذي يتقابلان فيه كل مرة.

 

كان هذا المكان هو مخزن قديم يبعد عن القصر بقليل، وبمحض الصدفة، عندما كانت تتدرب فلوريا، انحرف السهم من يدها متجهًا في الفضاء بالقرب من المخزن، وعندما ذهبت فلوريا لتحضره، رأت كاميليا وهي تحتضن إغار بشوق وتبكي بحرقة، قائلة:

 

“لابد أن تقتله كما قتل أمي، لطالما طلبت مني أن أطلب منك أي شيء لتثبت لي مدى حبك وإخلاصك لي، والآن حان الوقت، وأريد أن أُعلِمك أنك إن فشلت في هذا الطلب سأعتبر أن هذه نهاية حبنا.”

 

قال إغار بصدمة: “هل ستبيعين حب خمس سنوات في لحظة غضب؟”

 

قالت كاميليا له بحزن: “أنت تعلم مدى حبي لك يا إغار، فأنا أحببتك رغم علمي بخلافات والدك مع والدي، ولكنني رغم هذا الحب، على أتم الاستعداد أن أضحي به إن لم تأخذ ثأر أمي وتريحها في قبرها وتريحني أيضًا.”

 

وعدها إغار بأنه سيحاول ويبذل قصارى جهده، ثم قبّلها في جبينها وودّعها.

 

وقع هذا الحوار كالصاعقة على مسامع فلوريا، فهي لم تعد تقوى على هذه الصدمات المتتالية التي تكتشفها يومًا بعد يوم.

 

حيث كانت الصدمة الأولى عندما علمت أن شُكران هي قاتلة أمها، والآن علمت أن أباها السبب في موت شُكران، وأن أختها تحاول قتل أبيها وتعشق أقوى منافس لمملكتهم، فماذا عساها أن تفعل وسط كل هذه الضغوط وهي في هذا العمر؟ فهي رغم قوتها، إلا أنها قليلة الحيلة، ولن تستطيع أخذ القرارات بمفردها دون أبيها. ولكن كيف تواجه أباها بما سمعت؟

 

ذهبت فلوريا إلى القصر وهي تجر قدمًا وتؤخر الأخرى، فهي خائفة من أبيها وأختيها ومن كل من حولها، فهي لم تعد تستطيع أن تثق في أي أحد، حتى نجد ومانيسا.

 

وبمجرد أن دلفت فلوريا باب القصر، وجدت زهر الدين أمامها متسائلًا عن سبب شرودها وشحوب وجهها الذي كان واضحًا عليها، مما أثار قلقه.

 

بررت فلوريا قائلة إنها أنهكها التدريب وتريد أن تستحم وتنام لترتاح قليلًا من مشقة اليوم، فسمح لها زهر الدين بالانصراف.

 

ذهبت فلوريا لغرفتها، وفعلت مثلما قالت لأبيها، ولكنها لم تستطع أن تغفو، فكيف تغفو وهي تتوقع الغدر من كاميليا في أي وقت؟ فنبرة الغضب والحقد التي كانت تتحدث بها كاميليا مع إغار جعلت فلوريا تفقد الثقة بها إلى الأبد.

 

غفت فلوريا بعد طلوع الفجر، بعدما أنهكها التعب، وبعد أن أدت فرضها، فهدأت نار روحها وضجيج عقلها قليلًا.

 

نهضت فلوريا مذعورة على صوت صهيل الخيل، فأحسّت بالخطر يقترب، فأسرعت نحو ساحة التدريبات لترى ماذا يجري، فوجدت رمحًا يخترق جسد أقوى خيول المملكة وأقربهم إلى قلبها، فعلمت أن هذه بداية النار التي فتحتها كاميليا على المملكة، فلم تعد تحتمل الصمت أكثر، فذهبت إلى أبيها لتفكر معه في حل للكارثة التي فعلتها كاميليا دون أن تفكر في عواقبها.

 

ذهبت فلوريا إلى زهر الدين، وقصّت عليه ما سمعته من الحديث الذي دار بين كاميليا وإغار.

 

اشتعلت عيناه غضبًا عندما سمع ما تخطط له ابنته وفلذة كبده، فهو لم يكن يعلم أنها ورثت الحقد والقسوة من أمها. فهو، رغم كرهه الشديد لشُكران، إلا أنه كان يعذرها أحيانًا، فهو يعلم سبب حقدها على نرجس، فهو تركها وذهب لنرجس التي كانت مجرد جارية في القصر، ولكنه أحبها وأحب حنانها ورحمتها، فهو وجد فيها كل ما كان يفتقده مع شُكران. فهي، رغم حبها الشديد له، إلا أن قسوتها كانت تنفره منها، فهو شخص ذو مشاعر مرهفة تشبه الورد في رقته، ولكن هذه الرقة لم تكن حائلًا أمام قوته التي تستطيع أن تدمر كل من يحاول أن يؤذيه أو يمس مملكته أو أهله بأي ضرر.

 

ولكنه لم يستطع أن يجد عذرًا لشر كاميليا، فهو لم يكن يعلم بمعرفتها بالحقيقة، فكانت صدمته فيها كبيرة، فهو كان حنونًا عليها، ولم يكن يتوقع منها الغدر.

 

أمر زهر الدين بهادر، حارس القصر، أن يُكثف التدريبات حتى يكون على أتم الاستعداد لمواجهة الخطر.

 

كانت فلوريا منشغلة ومنهمكة في التدريبات، فهي أصبحت تنافس أقوى فرسان المملكة وأشجع محاربيها.

 

وفي عز انشغال المملكة بحماية نفسها ضد أي خطر محتمل، فوجئ عز الدين بخطاب من الملك جمر يطلب فيه مقابلته في أرض محايدة.

 

 

يتبع

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *