الكاتبة: رفيدة فتحي
على طاولة أمام النافذة التي تتسلل منها إضاءة خفيفة من ضوء القمر الذي لم يكتمل بعد، في منتصف الليل، داخل هذا البيت، شاب ذو الشعر الأشعث والعين الذابلة، في غرفته المظلمة التي لم يزُرها نور الصباح منذ وقت طويل. فقد أصبح صباحه كليله، وليله كصباحه، يجلس أمام النافذة يكتب كأنه يكتب قبل انتهاء أيامه الأخيرة، بيدٍ ثابتة وقلبٍ مرتجفٍ متحطمٍ يكسوه ألم الفراق.
وضع الريشة داخل المِبحرة، وبدأ يبوح بما بداخله من كلام:
“إلى أن نلتقي مرة أخرى، أكتب لكِ للمرة الواحدة والعشرين، من دمي الذي تناثر في أرجاء الغرفة، بعد جرح قلبي العميق الذي يزداد يومًا بعد يوم، منذ وقت رحيلكِ.
أتعلمين؟
لم أعد أستطيع مغادرة غرفتي، ولا رؤية العالم من حولي، الذي أصبح بالنسبة لي كحجم العلبة الصغيرة التي أهديتِني إياها من قبل. حتى أنني لم أعد أطيق النظر إلى المرآة، لأنني حينها لن أستطيع التعرف على نفسي.
رحلتِ يا نور دون موعد، ورحل معكِ بريق الحياة. لم تُكلّفي نفسكِ أن تودّعيني، ولو بنظرةٍ من عينيكِ التي أنظر بداخلها، فأقرأ ما تودّين البوح به قبل أن تنبثي بكلمة. كيف تفعلين هذا بي، وأنا من أحنّ كل يومٍ للقائكِ؟ وجودكِ كان بالنسبة لي كالدواء الذي يُنقذني من آلامي. ومنذ ذلك اليوم، لم أستطع أن أتحمّل المزيد من هذه الآلام، أصبحت تنهش في جسدي كالأسد مع الغزالة الضعيفة التي لا حول لها ولا قوة، ولا تملك من أمرها شيئًا.”
![]()
