...
Img 20251104 wa0021

 

 

الكاتبة رفيدة فتحي

 

“صباح غير عادي، مليء بالأحزان والخيبات والغدر، أو ربما بالأفراح والسرور، بستيقاظ ميرال من غفلتها واستيعابها لخطئها الذي يرتكبه الكثير من فتيات عمرها، وهو عمر الزهور والشباب، العمر الذي يكتشف فيه كل إنسان ذاته بتجاربه ورحلته في الحياة. ترى أي منهم تختار هذه المسكينة التي بالكاد نشفق على حالها؟

 

على الطاولة بجانب النافذة التي يتسلل منها ضوء الشمس، تجلس ميرال التي تبلغ من العمر الخامسة والعشرين على الكرسي، مستندة برأسها على الطاولة وتبكي بحرقة، بينما تقف أمها على حافة الغرفة تنظر إليها بشفقة على ما وصلت إليه ابنتها من عناء. تقدمت إليها بهدوء وسحبت مقعدًا بجانبها، تمسح على ظهرها بحنان. اعتدلت ميرال بظهرها إلى الخلف ونظرت إلى أمها بعينيها الذابلتين ووجهها الذي أصبح هزيلًا. تشهق ثم سألتها متلعثمة وهي تساوي شعرها البني إلى الخلف:

-كيف يطوعه قلبه أن يفعل هذا بي؟

ثم صمتت قليلًا وأخبرتها أنه كان محور حياتها، قد تخلت عن كل شيء من أجله: أحلامها ومستقبلها وأصدقائها، حتى أن علاقتها بربها قد تدهورت منذ فترة. وبعد كل هذا يذهب ويتزوج بأخرى.

 

استمعت الأم لابنتها بتمعن شديد إلى أن انتهت من كلامها، ثم أخبرتها بعد أن أخذت زفيرًا هادئًا أنها قد أعطته مكانة كبيرة أكثر من اللازم.

نطقت ميرال ودموعها تتدفق على وجنتيها بغزارة:

-بالفعل هذا ما فعلته، إنه لا يستحق ذلك.

رمقتها أمها بنظرة عطف وأبلغتها أن كل شيء في الحياة إن أعطته أكثر من حجمه وتعلقت به سينقلب عليها، وليس فقط زوجها بالخصوص إن فضلته على أوامر الله التي قد فرضها عليها.

 

ثم نظرت إلى عينيها وهي تربط على يديها وتابعت: “أحلامها وأصدقاؤها وزوجها وكل شيء في الحياة كأغصان الشجرة، إن اهتمت بواحد منهم أكثر من الآخر وأعطته مكانة أكبر من اللازم حتمًا سينقلب ضدها.

 

أما جذع الشجرة القوي المتين الذي يقف بشموخ ولا يهتز بقوة العاصفة هو علاقتها بربها.

إن تركته وفضلته على غيره سينقلب عليها وستعيش في كبد. لذلك العلاقة الوحيدة التي يجب أن تستثمر فيها ولا تخشى من خسارتها هي علاقتها بالله، كلما اقتربت منه سيزداد قربه منها، أما الأشخاص يملون ويفترون، لذلك التعلق بالبشر هلاك لصاحبه”.

 

مسحت ميرال دموعها بعد أن انطبعت ابتسامة خفيفة على وجهها، وأخبرت أمها أنها ستصلح ما بينها وبين الله وستعود إلى أحلامها التي قد تخلت عنها منذ دخول محمد إلى حياتها، ولن تجعل شخصًا من اليوم محور حياتها. مع الأيام أصبحت ميرال فتاة مختلفة، لم تعد تخشى شيء مع قربها من الله.”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *