الكاتبه/ أمل سامح
في زوايا القرى والمدن، وفي مكاتب المحامين التي أُغلقت نوافذها على أسرارٍ موجعة، تُعقَد عقودٌ لا تليق بعمر الورود.
عقودٌ تُكتب بالحبر، وتُمحى بالدموع.
زواجٌ لا يعرف من القداسة سوى اسمه، ولا من الحُبّ سوى الشبه البعيد به.
فتاةٌ بالكاد بلغت الخامسة عشرة، ما زالت تحمل في ضحكتها بقايا الطفولة، وفي عينيها دهشة الحياة الأولى،
يُنتزع منها دفتر مدرستها، لتُسلَّم إلى رجلٍ يكبرها بسنواتٍ، كأنها بضاعةٌ تُنقل من يدٍ إلى أخرى.
يتحدثون عن «الستر»، وعن «النصيب»، وعن «العادات»،
لكن لا أحد يتحدث عن الطفلة التي تُسلَب حريتها باسم الدين، وتُجلد روحها باسم التقاليد.
أيُّ جريمةٍ تلك التي تُرتكب حين يُزَفُّ الحلم إلى المجهول؟
حين تُطفأ شمعة العمر قبل أن تضيء؟
أيُّ أبٍ ذاك الذي يُسلّم ابنته للمجهول، ثم يقول: «أنا أطمئن عليها»؟
أحقًا يطمئن؟ أم يهرب من فقره بصفقةٍ تُميت قلبه وقلبها معًا؟
زواج القاصرات ليس زواجًا…
إنه اغتيالٌ ببطء،
اغتيالٌ لطفلةٍ كان يمكن أن تكون طبيبةً، أو فنانةً، أو صوتًا يغيّر العالم.
لكنه جُعل منها سجينة بيتٍ لا تفهمه، ورجلٍ لا يعرف كيف يحتضن خوفها.
تجلس تلك الصغيرة على فراشٍ باردٍ، ترتجف، لا تعرف إن كانت عروسًا أم أسيرة،
تنتظر أن يفهم أحدٌ صراخها الصامت،
لكنّ الجدران صمّاء، والليل أطول من طفولتها المسروقة.
أيها المجتمع…
ليس كل ما يُكتب «عقدًا» يُسمّى زواجًا،
وليس كل وليٍّ «أبًا»،
وليس كل قانونٍ يُخرَق صمتًا، يُغفر بالصبر.
فلنصمت قليلًا ونفكر:
ما الذي خسرناه حين جعلنا الطفلات زوجات؟
خسرنا المستقبل، خسرنا أحلامًا لم تولد،
وخسرنا إنسانيتنا ونحن نوقّع بأيدينا على شهادة موتٍ مؤجّلة.
![]()
