الكاتبة مها زايد
ظل تميم يبحث عنها في كل مكان لمدة يومين، ولكن دون جدوى، ولم يصله أي أخبار بخصوص محضر التغيب الذي قام به، فكاد أن يفقد الأمل، ولكنه لن يتخلى عن حبه بهذه السهولة، وليس لأنها حبيبته وحسب، ولكن الأمر أصبح أكبر من هذا، فهي في النهاية مريضة وتحتاج للمساعدة.
وقف جانباً وبدأ بالبكاء كطفل صغير فقد أهله، وتذكر غربته عن أهله، مما جعل انهياره يزداد.
في الناحية الأخرى
أدهم بعصبية وهو يوجه كلامه لعادل: يعني إيه مش لاقينها؟ ويعني إيه متقدموش بلاغ باختفائها لحد دلوقتي؟ للدرجة دي مش عاوزينها؟
طب لو مستغنين عنها للدرجة دي، كنتوا جوزوها لي وبعدين ملكوش دعوة بيها تاني.
حاول أن يبرر عادل موقفه، ولكن أدهم كان يرفض أن يستمع لأي أحد، وأنهى حديثه مضيفاً:
أدهم: لو إنتوا بقى مش هتعرفوا تلاقوها، أنا هلاقيها وهتجوزها، ومش هخليكوا حتى تلمحوها بعد كده. وخرج ورزع الباب وراه.
نظر عادل لهند بغضب قائلاً لها: مبسوطة دلوقتي يا ست هانم؟ مش هي دي اللي كنتي هتموتي وتتبنيها وهي صغيرة؟
دلوقتي مبقيتش عاجبة؟ ولا إنتي علشان ربنا رضاكي تقومي تفتري؟ صحيح يا أولاد، البني آدم طماع. وخرج هو كمان ورزع الباب وراه.
ظلت هند تلوم في نفسها وتتذكر مدى إصرارها على تبني تمارا، وعادت بذاكرتها للخلف بحوالي عشر سنوات.
كانت هند تسعى وراء الإنجاب كثيراً، ولكن الله لم يأذن بعد. مرت ست سنوات بعد زواجها بعادل، ولكن كل محاولاتها كانت تبوء بالفشل، حتى قررت أن تتبنى طفلاً.
وذات مرة، وهي تزور بعض الملاجئ، دخلت ملجأ “الزهور” الذي كانت تعيش فيه تمارا، ومن بين الأطفال جميعهم، لفتت تمارا نظرها.
فهي كانت طفلة بريئة، يبدو عليها الطيبة والهدوء. كانت تجلس وحيدة تبكي، فلفتت نظر هند وأحبتها من أول نظرة، وقررت أن تتبناها، ولكنها لا تعلم لماذا، بعد عدة أشهر بسيطة من تبنيها لتمارا، وعندما اكتشفت حملها، تحولت وأصبحت تعاملها كالخادمة.
أفاقت هند من شرودها على دموعها وهي تبلل يدها، فمسحت دموعها لتعود لقسوتها مرة أخرى، مبررة فعلتها بأنها ليست من دمها، ومن الطبيعي أن تحب أبناءها أكثر منها.
ولكن الباقي من ضميرها كان يذكرها دائماً بأن تمارا هي الوحيدة في أبنائها التي كانت تحنو عليها، فلم تستطع أن تتمالك نفسها أكثر، وسقطت تبكي بحرارة وتدعو أن تعود تمارا سالمة، قاطعة على نفسها عهداً بأنها إن عادت، ستفسد هذه الزيجة بأي طريقة.
كانت تسير تمارا في الشوارع لا تعلم وجهتها، ولكن كل ما تعلمه أنها لم تعد تقوى على السير أكثر، وأنها تريد أن تأكل وتنام، فهي في أهون لحظاتها الآن، حتى إنها ظلت تلوم نفسها على الهرب من منزلها، نادمة على عدم الزواج من أدهم.
ولكن عقلها كان يوقظها، ويذكرها بأنها لا تحبه، فكيف كانت ستعيش معه؟
ولكن قلة حيلتها كانت تدفعها نحو الأفكار السلبية، فكانت تبرر الزواج منه رغم عدم حبها له، بأنه كان أفضل من هذه الحياة التي تعيشها الآن، فهي الآن مشردة بدون مأوى، جائعة ووحيدة.
وكانت تتألم أكثر عندما تتذكر تميم، وتبكي بحرقة لتخيلها حالته بعد ما فعلته به، فهي تعلم أنه الآن بالفعل حزين، يبحث عنها، ولكنها فضلت أن يتألم بعض يوم، فضلاً عن معاناته معها بقية حياته.
وبينما كانت تسير تمارا في الشوارع لا تعلم وجهتها، اعترض طريقها مجموعة من الشباب الطائشين الذين يتسكعون ليلاً ويضايقون المارة بغير وجه حق، ولأنهم بلا أخلاق أو شرف، حاولوا الاعتداء عليها، ولكنها ظلت تصرخ وتستغيث وتقاوم حتى فقدت وعيها.
الفصل الرابع /يتبع …
![]()
