الكاتبة إيمان شلاش
بعد ذلك الموقف الغريب، والشجار الذي نشب بين ميرا وكرم في السيارة، وتكملة كرم لطريقه، تفاجأ عندما دخل إلى الفندق فوجد ميرا جالسة في قاعة الاستقبال وتنتظره.
صُدم كرم عندما رأى ميرا، كيف وصلت إلى هنا وجوالها معي؟ كيف استطاعت الوصول إلى الفندق والمشروع وهي لا تعرف العنوان؟
وعندما كانت الصدمة تعتريه، والأسئلة تكاد تغميه عن الوعي،
قاطعته ميرا هذا التفكير بقدومها نحوه وهي تبتسم:
ـ أستاذ كرم، لما كل هذا التأخير؟
كرم بصدمة: لقد عدت للبحث عنك، ولكني لم أجدك! كيف وصلتي إلى هنا؟!
ميرا: عندما تركتني بالشارع، مرت سيارة لسيدة كبيرة بالعمر، وأصرت على مساعدتي، فاستخدمت جوالها واتصلت بالشركة، وسألتهم عن عنوان الفندق، وأوصلتني تلك السيدة مشكورة.
كرم: يا إلهي! ما هذه المجنونة؟
ميرا: لا تقل عني مجنونة.
كرم: ظننت أنك ستتخلين عن الفكرة وتعودين إلى منزلك.
ميرا: لا، لن أتخلى عن مشروعي الأول، ولقد أخبرتك من قبل، اسمي سيكون على هذا المشروع.
صعد كل من ميرا وكرم إلى غرفهم في الفندق ليرتاحوا، وفي صباح اليوم الثاني، سمع كرم صوت تخبيط قوي على الباب، ولكنه لم يفهم شيئًا منه، ففتح الباب، إذ بميرا ترتدي زيًّا رياضيًّا وسترة هندسية، وشعرها مرفوع، وطاقية المهندسين، وتحمل عدة مشاطر ودفاتر، وتتحدث بلهفة وحماس:
ـ صباح الخير يا أستاذ كرم، هيا بنا، قد حان موعد العمل.
كرم: ما هذا المنظر؟ ولمَ ترتدين كل هذه الثياب؟ الوقت ما زال مبكرًا.
ميرا: أليس لدينا عمل؟ هيا، أنا متحمسة جدًّا، وهذا أول مشروع لي.
كرم ببرود، وهو يعود لسريره ويغطي وجهه بغطاء خفيف: ما زال الوقت مبكرًا، نلتقي بعد ساعة بقاعة الإفطار، اذهبي.
فتهجم ميرا وتسحب الغطاء: يا لك من شخص كسول! كيف لك أن تكون صاحب هذه الشركة وأنت لا تعرف أهمية الوقت؟
كرم: ما الذي فعلتيه؟ اذهبي الآن، أريد أن أنام.
ميرا، وهي تكمل بسحب الغطاء ومنعه من النوم، تمسك بيده وتسحبه إلى الحمام وتقوم بغسل وجهه، ولأن كرم كان مصدومًا من حماس وسرعة ميرا، كان يتصرف بمنتهى الاستسلام.
ميرا: هيا، ها قد قمنا بغسل وجهك، الآن أنا سوف أنتظرك بعد ربع ساعة في السيارة لكي نذهب إلى الموقع.
نزلت ميرا، وما زال كرم مصدومًا وغير واعٍ لما حصل. كيف لفتاة صغيرة كميرا تقوم بتلك الحركات؟ وكيف له أن يكون في قمة الاستسلام أمام إصرارها؟
أكمل كرم تجهيز نفسه، ونزل إلى السيارة، ووجد ميرا جالسة تنتظره، وبدأ يسوق متجاهلًا ذلك الحماس الذي ينتفض في عيون ميرا، وهي ذاهبة لتزور أول مشروع لها.
كان المكان جميلًا جدًّا، والمساحة كبيرة، والعمال ينتظرونهم، وكانت إطلالة هذا المشروع على البحر مباشرة، مما جعل ميرا تشعر بفرح كبير وهي تنظر إلى الموقع.
ميرا: المكان جميل جدًّا.
كرم: نعم، أعرف هذه الأرض، سنقوم ببناء مركز تسوق عليها.
ميرا: أستاذ كرم، هل يمكنني مناقشتك بموضوع على انفراد؟
كرم: تفضلي.
ميرا: هذا المكان الساحر، الأفضل له أن نبني عليه سلسلة فنادق جميلة وهادئة ومطلة على البحر، سيكون مشروعًا جميلًا جدًّا.
كرم بحزم: لااا، لن أسمح بهذا، هذه الأرض مخصصة لبناء مركز تسوق.
ميرا: لكن لماذا؟ لا تخف، سوف أنهي تصاميم الفنادق بفترة قصيرة.
كرم بعصبية أكثر: قلت لك لا، ولا تتدخلي بهذا الشأن، أنتِ عليكِ أن تعطي العمال الخطوات الأساسية، وهم سيكملون العمل.
كانت ميرا في حيرة كبيرة، لا تعرف سبب تمسك كرم ببناء مركز تسوق، على الرغم من أن فكرة الفنادق ستعود بمردود مالي أكبر، وسيكون المنظر أجمل.
بدأت ميرا العمل في المشروع، وكانت كلها نشاط وحياة، وأفكارها جميلة، وكرم يراقبها من بعيد، كيف تتعامل مع الجميع بلطف وعفوية، وكيف لتلك المرحة المجنونة أن تتقن العمل بهذا الشكل.
استمرت الأيام، وميرا كانت منشغلة بالعمل ولم ترتح أبدًا، وكرم كان يزداد إعجابه بعملها يومًا بعد يوم، حتى إنه اعتاد على مراقبتها من بعيد، وهي تساعد العمال وتشرح الخطط والرسوم للمعماريين.
كان البناء في منتهى الجمال، مكونًا من خمس طوابق، في كل طابق عدد ضخم من المحلات والمطاعم الضخمة، وفي وسط كل طابق كانت تضع ميرا لمساتها الخاصة بوضع أماكن مخصصة للزهور والورود.
كان كرم في كل مرة ينهون العمل من طابق، يتفاجأ بلمسات رقيقة أنثوية أضفت جمالًا ورقة، حتى إنه استغنى عن استشارة أغلب المختصين، مكتفيًا بذوق ميرا في اختيار الألوان والدهان والديكور.
كان كرم ينجذب بشكل سريع لتلك الفتاة الطموحة المبدعة، ولكن لأن كبرياءه لا يسمح له بشكرها كثيرًا، كان يختصر القول لها بـ: “أحسنتِ يا مجنونة”، الأمر الذي يزيد ميرا غضبًا منه.
وفي مساء يوم من الأيام، كان كرم قد قرر أن يقوم بدعوة ميرا إلى المطعم، والخروج من أجواء العمل والتعب…
يتبع…
![]()
