...
IMG 20251117 WA0201(1)

 

كتبت: المحبة لله 

 

دارين: سيبرد الطعام يا عمتي.

أكلتا سويًا وظلت تحكي سلمى معها إلى أن أتت هالة مرحبة بها وجلست معهم إلى أن حل الليل وذهبت دارين لغرفتها وسلمى إلى منزلها.

هالة: هل نمتِ يا ابنتي؟

دارين: تفضلي، لا زلت مستيقظة خالتي.

هالة: لقد كنت عند الدكتور اليوم يا ابنتي.

اعتدلت في جلستها بإهتمام سائلة إياها: ماذا أخبرك، ومتى سأخضع للعملية، كم سأأخذ فيها، ومتى سأبصر من جديد؟

هالة بضحك: على رسلك دارين العجولة بكل شيء.

دارين: هذه مسألة هامة للغاية بالنسبة لي خالتي، كيف لا تريدين أن أكون صبورة؟

هالة: حسنًا لتصربي قليلاً بعد.

دارين: إلى متى؟

هالة: سبعة أيام فحسب.

دارين بحزن طفولي: كثيرًا هكذا يا خالتي، ألا يكون أقرب من ذلك؟

هالة: فقط أسبوع واحد لن يكون طويلاً ما دمنا على مخططنا نسير يا حبيبتي.

دارين بلا مبالاة: حسنًا سأكمل نومي الآن، هل يمكنك الحديث مع روما كانت تود أن تعرف وقت ذهابي للطبيب؟

هالة: بالطبع، هيا أخلدي إلى النوم الآن ولا تفكرين بشيء سوى صحتك وسعادتك.

ابتسمت لها وذاهبة بعد ذلك إلى عالمها الخاص قبل أن تنام كعادتها كل يوم يخيل لها أحلامها وهي حقيقة تعاش على أرض الواقع وتتجول في أراضي لندن كطفلة ترى الشارع لأول مرة تقفز تارة وتدور حول نفسها تارة أخرى بسعادة غامرة كأنها ملكت الكون كله بين يديها شاكرة وساجدة لله سجدة شكر على نعمته التي ردها إليها بعد حادثها الأليم التي عاشته لفترة طويلة صابرة ومحتسبة الأجر والثواب عند الله.

منى: مرحبًا من معي؟

هالة: إنها أنا يا منى، كيف الحال؟

منى: الحمدلله دائمًا وأبدًا، أنتِ كيف حالك وحال موهبتنا الفذة؟

هالة: الحمدلله دائمًا وأبدًا بخير يا حبيبتي.

منى: كيف لي أن أساعدك؟

هالة: كنت أود اخبار مريم عن ميعاد ذهابنا إلى الطبيب.

منى بتعجب مصطنع: وما شأنها هي بذلك الأمر؟

هالة: كانت تريد الذهاب معنا فحسب.

منى: مريم لديها دروس عليها أن تذاكرها لا وقت لديها لتلك الترهات واللهو مع ابنة أختك.

هالة: حسنًا وصلت رسالتك يا منى إلى اللقاء.

أغلقت الهاتف دون أن تسمع ردها وهي حزينة وغاضبة من طريقة حديثها الفظة معها داعية ألا تعلم دارين بذلك ويؤثر عليها، فالطبيب أخبرها عن مدى أهمية سلامة صحتها النفسية على نجاح العملية وإبقاءها في جو يجعل مذاجها جيد ولا يعكر صفوه أحد أو شيء.

في صباح اليوم التالي استيقظت دارين وأدت صلاتها ذاهبة بعد ذلك لطلب مريم عبر الهاتف، فبعدما عادوا من المسابقة لم تأتي أو تهاتفها لتخبرها إنها ستكون في الحديقة بعد تناول الفطور ومعها أفكار عدة ومثمرة لتدوينها معًا.

هالة: صباح الخير حبيبتي، بمن تتصلين هكذا على الصباح الباكر؟

دارين: صباح النور خالتي، كنت أحدث مريم لنلتقي في المنتزه بعد قليل.

هالة: قد تكون ذهبت إلى المدرسة لتحدثيها لاحقًا.

دارين: حسنًا، لأعد الفطور إليكِ ريثما تنتهي من أداء صلاتك.

هالة: لا تتعبين نفسك حبيبتي بعدما أنتهي أعده أنا.

دارين: حسنًا سأنتظر في غرفتي.

هالة: لِمَ لا تقومين برسم شيئًا ما حيال عودتي؟

دارين: فكرة جميلة لأجرب رسم فستان زفاف بلون السماء وحجاب بلون النجوم بجانب الورد بلون السحاب.

هالة بإعجاب: فكرة رائعة بانتظار إبداع فرشتك الغانية.

بعد قليل عادت خالتها وهي تحمل بين يديها صينية بما تحبه دارين وجدتها ترسم عائلتها وهم جالسين يضحكون سويًا وهي طفلة صغيرة بين أحضانها تبتسم وتضحك بسعادة لاجتماعها معهم بجانبها لوحة أخرى بما قالت عنه مؤخرًا تمسح بعض قطرات الدموع التي تساقطت من أعينها.

هالة: دارين لقد أتيت.

دارين حاولت إخفاء لوحة عائلتهم فوقعت على الأرض وتلطخت ببقية الألوان مجمعين على بعضهم البعض جميع الألوان لم تجف بعد وبوجوم قالت: مرحبًا خالتي، سلمت يداكِ.

هالة: لماذا فعلتِ هكذا كانت رائعة كروعة فرشتك؟

دارين: تلك كانت مجرد ذكرى عابرة ليس إلا.

هالة: أود أن أرى تلك الذكرى مجددًا ولا تخفين مشاعرك عن خالتك حبيبتي.

احتضنتها بقوة قائلة: اشتقت إليهم بشدة يا خالتي، متى أموت وأذهب إليهم؟

هالة: بعد عمر طويل لكِ مع الصحة والسعادة يا حبيبتي، لا تقولين هكذا مرة أخرى وتتركيني بمفردي.

دارين: لقد أرهقت من كثرة التتوق إليهم.

هالة: فنانتي الجميلة تستطيع رؤيتهم في الحلم ولوحاتهم بكل ذكرى عابرة تمر عليها، فكم جميل ما رسمتيه حبيبتي!

دارين: هيا نأكل حتى أذهب إلى الحديقة يا خالتي.

هالة: لنفكر بمكان آخر اليوم نذهب إليه.

دارين: ما هو ذلك المكان؟

هالة: ما رأيك بزيارة حديقة الحيوان والسينما؟

دارين: تلك الأماكن أحتاج إلى بصري لرؤية ما فيهم.

هالة: تحملين بصيرتك وسمعك لا تقولين هكذا، حتى تستطعين أخذ فكرة جديدة لرسمها.

دارين بحزن: لماذا تمديني بالقوة والأمل دائمًا خالتي؟

هالة: حينما تقومين بالسلامة من عمليتك التي ستخضعين لها سترين كل شيء ولن تحتاجين لي بعد ذلك.

دارين: لا أستطيع الاستغناء عنكِ خالتي، أنتِ حياتي ومن دونك لا صلة لي بهذا العالم.

احتضنتها مبتسمة وقالت: حسنًا يا قلب خالتك لتجهزين نفسك للخروج.

ذهبت دارين لغرفتها وهي تبتسم متذكرة أول مرة حينما أخبرت خالتها أنها تريد أن تتعلم ارتداء ملابسها بمفردها.

هالة اتصلت على أم مريم لتطلب منها تلك المرة فحسب تأتي معهم إلى حديقة الحيوان والسينما راجية ألا ترفض طلبها.

مريم: سعيدة بقدومي معكم آنستي.

دارين: أنا أكثر، هيا لتأخذين صور تذكارية للحيوانات الأليفة وغيرها لتكون مشروع جديد.

مريم: حسنًا أراه مشروعًا جميلاً من تحت يديكِ يا آنستي.

دارين بتوجس: خالتي أشعر أنكِ تخفين عني شيئًا ما!

هالة بكذب: لا يا ابنتي، ما الذي أخفيه؟ هيا مريم نزهتنا طويلة معًا.

مريم: متى سنذهب عمتي لزيارة الطبيب؟

هالة: الأسبوع المقبل ستخضع للعملية.

مريم: خيرًا إن شاء اللّٰه.

دارين: لقد سئمت البقاء هنا خالتي لنذهب إلى السينما وبعدها نأكل شيئًا ما.

مريم: بيتزا السجق وشاورما اللحم.

دارين: يا لها من أكلات شهية وطيبة.

هالة: اتفقتم إذًا، هيا بنا يا أحبتي.

بعد انتهاء اليوم عادوا إلى منزلهم ومريم حزينة بعدما سمعت مكالمة والدتها مع خالة دارين.

فلاش باك….

هالة: فقط هذه المرة يا عزيزتي.

منى: قلت لا لن تختلط مريم مجددًا مع تلك الفتاة.

هالة: لأجلي أرجو أن توافقين.

منى بعد تفكير: حسنًا، ولكن لآخر مرة ترى فيها ابنتي دارين.

هالة: اتفقنا يا مني، سأمر عليها بعد قليل لتكون جاهزة.

انتهى الفلاش…

بعد مرور أسبوع في العيادة تجلس دارين في الردهة بانتظار خروج خالتها للذهاب إلى المشفى بعد فحصها لدى الطبيب وإخبارهم أنها جاهزة للعملية لوهلة تذكر ما حدث معها طيلة الأيام الماضية بآخر مرة رأت فيها مريم لم تستطع بعدها أن تلتقي بها مرة أخرى ولو صدفة كلما حدثت خالتها بشأنها تتحجج بأن لديها مذاكرة أو امتحانات تخضع لها ولا تستطيع أن ترها مثل السابق وكان هناك شعور يختلجها بأن تلك ليس إلا كذبات وهناك أمر آخر لا تعلمه وراء اختفائها.

هالة: هيا بنا يا بطلتي، حانت اللحظة المنتظرة.

دارين: خالتي أين مريم؟

هالة: كما قلت لكِ هي بالمدرسة وأخبرتني أن أقول لكِ أنها تتمنى لكِ التوفيق ورؤية العالم من جديد بعيونك الجميلة.

دارين: روما لا تتركني بموقف هكذا لوحدي، أين هي يا خالتي؟

هالة: إنها بالمدرسة كما قلت لكِ وهي لا تستطيع القدوم.

دارين: لا يمكنها أن تأتي أم أن والدتها تمنعها؟

هالة: ليس وقت الكلام الآن يا حبيبتي.

دارين: لن أذهب دونها يا خالتي انتهى الأمر.

مريم: وأنا أيضًا لا يمكنني البقاء دونك آنستي.

دارين احتضنت مريم معاتبة إياها: لماذا تأخرتِ روما؟

مريم: الطبيب ينتظرنا وبعد ذلك نتحدث فيما بعد عن كل شيء.

هالة بصوت خافت: كيف جئتِ إلى هنا روما؟

مريم بمزاح: لقد أستقليت تاكسي وأخبرته عن العنوان.

هالة: لا أمزح يا صغيرة، فكيف سمحت لكِ أمك بالقدوم؟

مريم: لا أود نزع مزاج آنستي قبل العملية.

هالة: حسنًا لنذهب وبعد ذلك يتم عودتك إلى المنزل.

مريم بخفوت: أنني بالمدرسة الآن عمتي لا تخبرين أحدًا وليكن هذا سرًا بيننا.

هالة: يا لكِ من ماكرة كبيرة مريم.

دارين: بماذا تتحدثون هكذا بصوت منخفض؟

مريم: لا شيء استخبر عن رأيها حيال رأيتك لي لأول مرة.

دارين: ستكونين جميلة كما أرسمك داخل مخيلتي وعالمي مريم، حقًا لا أريد سوى تواجدك بجواري.

هالة: هكذا أنا أركن على الرف كما يقولون.

دارين: خالتي أنتم الاثنتين عالمي ودونكم أنا مجهولة دون هوية.

مريم باصطناع التأثر: ما هذا الجمال الذي يقال؟

دارين: كفى يا غليظة.

هالة: لقد وصلنا يا حبيبتي، هيا انزلي من السيارة كوني معها مريم ريثما أهبط.

ترددت دارين في الهبوط للحظات معدودة وجدت يد مريم تحثها على المضي قدمًا وتقول في مرح: لتكون أول لعبة نلعبها سويًا قبل سفرك الركض ورائي وإن أمسكتني سأعطيكِ شوكولاته نوتيلا بمناسبة فوزك.

هالة: ماذا هناك يا ابنتي، هل هناك خطب ما؟

دارين: أشعر بالرهبة ولا أريد الذهاب.

مريم: حسنًا حلال عليكِ روما الشوكلاته.

ضحكت دارين وهالة على كلماتها تلك مما جعل دارين تهبط بعزيمة قائلة: لن تفوزي يا صغيرة على آنستك.

مريم بفرحة: هذه آنستي الجميلة يا للروعة.

الطبيب: مرحبًا بك آنسة دارين، كيف الحال؟

دارين بتوتر: الحمدلله دائمًا وأبدًا.

الطبيب: لا نريد أن تكون جميلتنا قلقة حيال أي شيء الآن ولا تفكرين أيضًا بشيء.

دارين: فقط متوترة بعض الشيء دكتور.

الطبيب: لا داعي للتوتر بضع دقائق معدودة وتكونين بالمنزل بعد الاطمئنان على صحتك.

دارين أخذت نفس عميق وقالت: حسنًا إن شاء اللّٰه.

الطبيب: أحسنتِ دارين كلما شعرت بالتوتر عليكِ بهذا التمرين مرارًا وتكرارًا إلى أن أعود إليكِ.

مريم بمرح: آنى لهذا الطبيب أن يغازلك آنستي؟

دارين: ليس بمزاج جيد لتحمل مزاحك الآن.

هالة: لا تقلقين عزيزتي، كما قال الدكتور لكِ سنعود بعد قليل إلى المنزل سيرًا على الأقدام وأنتِ تشاهدين كل شبر بالطريق وتتمتعين به يا حبيبتي.

دارين بتعجب: هل هو بحر يا خالتي؟

مريم: فكرة رائعة لنذهب بعد أن نخرج من هنا إلى البحر والسير عليه.

هالة: أنا أيضًا أفكر في ذلك وهذا ما تمنيته حبيبتي.

الطبيب: دارين هيا مع الممرضة لتجهزين.

دارين: خالتي، مريم لا تتركوني بمفردي.

هالة: نحن معك لا تقلقين نفسك فقط ارتاحي.

الممرضة: كم عمرك يا دارين؟!

دارين بغيظ لسخريتها منها أنها خائفة رغم كبر سنها لم تجيب فقط ظلت متشبثة بخالتها ومريم.

الممرضة: حسنًا لترتدي تلك الملابس وتقومين بفك شعرك والتجرد من كل اكسسواراتك.

مريم: حسنًا على رسلك أيتها الممرضة ال…

دارين بحدة طفيفة: مريم !!

مريم: كنت سأمدحها فحسب يا آنستي، دائمًا تسئين ظنك بي.

دارين: على آنستك هذا الكلام، حسنًا بضع ثواني وأكون جاهزة.

هالة: من حسن الحظ أنكِ موجودة مريم.

ابتسمت لها ولم تعقب بعدما رأت دارين تخرج إليهم وهي تفرك في يديها من شدة التوتر الذي انتابها.

هالة: لتقرأي القرآن الكريم وأنتِ بالداخل، حتى تهدأ روحك وييسر الله عمليتك بنجاح وتخرجين بسلامة إن شاء اللّٰه.

دارين بتضرع: إن شاء اللّٰه خيرًا.

مريم: وأنا هنا سأدعو لكِ وأقرأ سورة يس بنية أن يتم شفاك على خير يا آنستي.

دارين: سلمتِ مريم.

الممرضة: لتنامي على ذلك السرير هيا بنا لنذهب.

هالة: بحفظ الرحمن ورعايته يا حبيبتي.

ظلت مريم وخالتها تدعوان لها بالشفاء العاجل وأن يتم عمليتها بخير وسلامة بجانب قراءة القرآن الكريم لها إلى أن خرج الطبيب.

مريم وهالة: أيها الطبيب، كيف حال دارين؟

الطبيب: الحمدلله إنها بخير الآن وبعد أن تنتهي من غرفة الافاقة ستكون بغرفة عادية تستطيعون حينها أن تروها.

مريم: الحمدلله دائمًا وأبدًا لك يارب على سلامتها.

هالة: الحمدلله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه يارب.

دارين تحاول ألا تفتح عينيها وهي تسمع الطبيب يأمرها بأن تشرعهما ببطء وعلى مهلها لا تتعجل.

الطبيب: لا تخافين يا ابنتي، هيا على رسلك وببطء.

مريم مشجعة إياها: واحد.. إثنان.. ثلاثة.

دارين: إنني خائفة صراحة لا أستطيع.

هالة: تستطيعين فعلها لا تخشين شيء يا دني.

تذكرت دارين لقب والدتها التي تحبه كثيرًا وبدأت في فتح عينيها بمهل وهي تدعو أن تكون العملية قد نجحت.

مريم: ماذا ترين الآن يا آنستي؟

الطبيب بغيظ: تعالي يا صغيرة وكوني مكاني أفضل.

هالة: نعتذر يا دكتور.

وجهت نظرها نحو مريم بعلامة” صه لا تتحدثين”.

الطبيب صوب كشاف صغير نحو عينيها قائلاً: دارين ركزي مع اصبعي واذهبي ببصرك معه.

أومأت هي برأسها وبدأت تجول ببصرها معه يسارًا ويمين.

الطبيب: كم أصبع يا دارين بيدي؟

دارين بفرحة وهي تدمع: ثلاثة.

الطبيب: وهؤلاء كم؟

دارين بسعادة: خمسة.

الطبيب: من هؤلاء يا دارين؟

دارين: هذه خالتي وصغيرتي الجميلة مريم.

الطبيب: الحمدلله دائمًا وأبدًا الآن يمكنني القول:” مبارك”.

هالة بسعادة غامرة: ليبارك الله فيك وفي عمرك يا دكتور.

مريم قفزت بسرور وهي تقول: لقد نجحت العملية.. لقد نجحت العملية.

دارين: هذه أنتِ يا شقية، تعالي إلى هنا.

مريم: أنا سعيدة للغاية الآن يا آنستي.

احتضنت دارين مريم بفرحة وهي تبكي ناظرة نحو خالتها بامتنان وشكر عما فعلته من أجلها.

الطبيب: على رسلك يا فتاة، لا تبكين هكذا.

هالة: من فرحتها يا دكتور اعذرها.

مريم: سعادتنا لا توصف حقًا.

قامت بشراء حلوى وكولا موزعة إياها على كل من في المشفى وهي سعيدة.

دارين: خالتي، متى نسافر إلى لندن؟

هالة: الأوراق جاهزة للسفر وبعد ثلاث أسابيع سنغادر أرض الوطن.

دارين ببسمة: كم أنني سعيدة لرؤيتك خالتي!

هالة احتضنتها بقوة قائلة: وأنا أكثر يا قلب خالتك.

دارين: هل هذه دموع الفرح أم ماذا؟

هالة: بالطبع يا جميلتي.

مريم: هيا لقد احتفل من في المشفى جلهم معنا بتلك المناسبة السعيدة.

دارين: كم أنفقتِ أيتها الصغيرة؟

مريم: المال الموجود في العالم كله لا يكفي سعادتي بكِ آنستي.

دارين: سلمتِ يا روما الجميلة ذات العيون الغانية.

مريم: لتسلمي أنتِ آنستي من كل سوء وشر.

هالة: هيا لنأكل البيتزا بالسجق والشاورما بجانب الكولا عند الاحتفال بهذا اليوم السعيد.

دارين: وبعد ذلك نذهب إلى الشاطئ، أريد رؤية الأماكن التي كنت أذهب إليها قبلاً خالتي.

هالة: بالطبع نفعل ذلك، لِمَ لا؟

مريم: هيا بنا نركض يا آنستي.

دارين بحرج: إنني بعمر السابعة وعشرين سنة روما، ما الذي تقولينه؟

مريم بتفكير: حسنًا لنمر على المطعم ونطلب الطعام ذاهبين إلى الحديقة هناك نستطيع أن نركض بمكان لا أحد يرانا فيه.

دارين ببسمة: كم أحب تفكير صغيرتي الجميلة.

هالة: ذات أفكار نيرة ماشاء اللّٰه عليها.

مريم: ها نحن ذا يا آنستي والفائز يحصل على تلك الشوكلاته.

دارين: وأنا قبلت التحدي يا روما.

بعد مرور ساعتين تقريبًا تذكرت مريم أنها لابد العودة إلى المدرسة قبل أن تأتي والدتها لأخذها كعادتها وتكتشف أنها كذبت عليها ولم تذهب اليوم.

هالة لاحظت ذلك وبدأت في مداعبة وجنتيها شاكرة وبحب قائلة: الآن حان موعد العودة إلى المدرسة، أليس كذلك يا ماكرتي الصغيرة؟

مريم بحرج: نعم يا عمتي، فكيف أفعل دون أن تستاء آنستي؟

هالة: أتركي ذلك الأمر علي.

دارين: إلى أين ذاهبون هكذا دوني؟

مريم: سنشتري بعض الحلوى للفائزة.

هالة: نعم، بماذا تفكرين أن تطلبين شوكولاتة أو فانيليا؟

دارين ببسمة: الاثنين مع بعضهم البعض.

مريم: كيف ستمرري الأمر عليها عمتي، أخشى أن تحزن.

هالة: لا تخافي، ستكون بخير متأكدة وأنا سأخبرها أن أمك قد أخذتك لتدرسين.

ابتسمت لها وودعتها وهي ترى مدى سعادة دارين وهي تدور حول نفسها وتمسك بيديها وردة جورية بذات لون فستانها وشعرها الكستاني يحلق وراءها جاءت إليها فكرة جميلة وقررت أن تنفذها وتكون هدية بمناسبة حصولها على لقب الفنانة المصرية للدولة التقديرية في الفنون الجميلة.

هالة: أنتِ سعيدة بنجاح حلمك، أليس كذلك يا دني؟

دارين ببسمة: تتذكرين كلمة أمي ولم تقوليها سوى حينما شعرت بالهلع من إخفاق العملية.

هالة: كانت أختي الغالية ” رحمها الله” تحبك كثيرًا ولا تتمنى ترى دمعة من عينيك الجميلتين تهبط.

دارين: أمي، لقد اشتقت إليها كثيرًا خالتي كنت أتمنى أول شخص أراه تكون هي.

هالة: أنا لا أستطيع أن أرى ابنتي تريد شيئًا ولا أحققه إليها، هيا بنا لنذهب ونحقق أمنيتك.

دارين بتعجب: كيف ذلك خالتي إنها…؟

هالة: سترين الآن لا تثرثرين كثيرًا هكذا.

وصلت السيارة بهم إلى المدافن حيث تدفن والدتها ووالدها بمقابر العائلة وجلست دارين بجوار قبر والدتها تنظر إليها بشوق وحنين كبير لا يستطيع ملسنها وصفه بأية كلمات أو حروف الهجاء جلها.

هالة: أغمضي عينيك جيدًا وأنظري إلى الأمام سترينها تتقدم نحوك وتحتضنك بشدة.

قامت دارين بقراءة سورة الفاتحة لها ولوالدها بجانب جميع أموات المؤمنين بعد ذلك بدأت في فعل ما قالته خالتها بالحرف الواحد أخذت نفس عميق وزفرته ببطء مغمضة عينيها محاولة رؤيتها أمامها وهي تشتاق إليها رأتها حقًا كأنها معها وقامت بإحتضانها بقوة قائلة بدموع تنهمر على وجنتيها:” أمي.. اشتقت إليكِ كثيرًا”.

هالة كانت تقرأ القرآن الكريم لهم ولجميع أموات المسلمين ناظرة إلى ابنة اختها التي عهدت نفسها أن تتخذها ابنتها عوضًا عن ابنها الذي تركها راحلاً إلى بلاد الغرب تارك والدته تكوى بنيران الاشتياق لفلذة كبدها يوميًا على أمل أن تراه ذات يوم وتروي ظمأ التتوق الذي يختلجها في كل مرة ترى صورته التي لا تفارقها.

دارين: شكرًا لكِ خالتي.

هالة ببسمة: لا شكر على واجب يا حبيبتي.

بعد مرور ثلاث أسابيع في المطار تقف دارين تنتظر قدوم خالتها التي تقدم قدم وتأخر الأخرى في توتر حانت لحظة اللقاء بعد طيلة تلك الفترة من الغياب ومع إصرار ابنة اختها على السفر معها وافقت على رجاء من الله أن ترى ابنها وتملي عينيها منه وتحتضنه في شوق جم وحنين لا ينقطع منذ آخر مرة رأته فيها ولا تتذكر المدة لطولها.

دارين: هيا خالتي هكذا سنتأخر على الطيارة وقد تفوتنا.

هالة: ها أنا قادمة يا ابنتي.

ركبتا الطائرة وجلستنا بجوار بعضهما البعض ناظرة دارين نحو النافذة تتمتع بكل لحظة تمر بها وبين يديها مشروعها التي عملت عليه لأيام وشهور كثيرة ” بريق من الديجور” بعد هبوطها أخذت نفسًا عميق قبل أن تخرجه بعزم وإصرار على أخذ ثأرها.

حسام: هيا عزيزتي لا أريد التأخر عن عملي ولدي إجتماع هام لا أود تفويته.

مايا: لا تكن مزعج حبيبي، تعال معي إنه معرض لا يفوت من جماله ولا يعرض إلا سنويًا.

حسام: عزيزتي، إنه عملي ولا يمكنني التخلف عنه إلا طردت.

مايا: حسنًا كما تشاء سأذهب بمفردي.

حسام: لا تعبسي هكذا يا ذات الوجه الصبوح.

مايا: تضحك علي بكلماتك المعسولة تلك.

حسام: لا أستطيع أن أفعل ذلك مع حبيبتي.

مايا: أنتظرك على الغداء أم ستتأخر كعادتك؟

حسام: تحاولين تغيير مسار الموضوع، لكن في المساء سنكمله حين عودتي تذكري ذلك.

ضحكت مايا في غنج مودعة زوجها ذاهبة إلى المعرض الذي قام بالترحيب بحاصلة اللقلب العالمي للفنون العربية وكعادتها تحدثت بطريقة منمقة ذاكرة قصتها التي اسمت كتابها القصصي عليه مما أثار إعجاب مايا كثيرًا وألتقطت صور معها ومع أعمالها الفنية الرائعة التي تعكس قضايا هامة بالمجتمع وليست لوحات فنية عادية وفي نهاية اليوم عادت إلى المنزل.

هالة: إلى أين ذاهبة يا ابنتي، ألن ترتاحين من عناء السفر والمعرض؟

دارين: لن أتأخر خالتي، قومي بالاستلقاء والراحة قليلاً ريثما أعود وسأطلب العشاء ريثما يأتي سأكون قد عدت.

هالة: كما تشاءين، لكن لا تتأخرين وأطلبي سيارة أجرة من هنا.

دارين: حسنًا سيدتي الجميلة.

حسام: لقد تأخرتي يا عزيزتي.

دارين: مرحبًا، أليس هذا منزل الكابتن حسام شاهين؟

حسام بإعجاب كبير: بالطبع، وإن لم يكن نحضره يا جميل.

ابتسمت دارين محدثة نفسها: لم تتغير يا ابن خالتي وفيك تلك الخصلة.

حسام: هل سنظل نتحدث على الباب هكذا؟ تفضلي بالدخول أو نذهب إلى أي مكان تريدينه أيتها الحسناء.

دارين: تبدو وكأنك متسرع دائمًا أيها الكابتن.

حسام: لماذا لا نرفع الألقاب مع الأنفاس؟

دارين احمر وجهها وصبغ بلون حمرة الخجل ولم تعقب مما أثار قهقهة الآخر وهو يطالعها هكذا بإعجاب وتمتع بخجلها مع حركتها العفوية بالإبتعاد سرعان ما تغير للصمت عندنا لاحظ قدوم زوجته وهو يسب تواجدها الآن.

مايا: مرحبًا، لقد عدت يا حبيبي.

قبلته من وجنتيه متغافلة عن تلك الفتاة التي تقف أمام الباب على حالتها ولم تتحرك وحينما أدركت وجودها رحبت بحفاوة وقامت باصطحابها إلى الداخل وهي تعبر عن مدى سعادتها البالغة بتواجدها في منزلها واستخبارها عن معرفة البيت وزوجها.

تنحنح حسام في حرج: هل هذه رفيقتك عزيزتي؟

مايا: أكثر من ذلك حبيبي.

دارين ببسمة لجهلها إياها وتغيره معها بعدما عادت زوجته لم تعقب على حديثها وظلت تطالعه بتشفي مرتقبة ردة فعله حين الإفصاح عن هويتها.

مايا: ماذا تشربين يا فنانة؟

دارين: أي شيء يا عزيزتي.

حسام: أشعر أننا تقابلنا من قبل، لكن لا أعرف أين أو متى؟

دارين: تستطيع سؤال زوجتك أيها الكابتن أم تريد أن أرفع التكليف والألقاب يا حسام.

حسام: ما تلك العذوبة يا إلهي؟

دارين: لا تخجل من مغازلة رفيقة زوجتك أو تخشى عودتها والاستماع إليك.

حسام: تتحدثين الانجليزية بطلاقة رغم أن هيئتك تبدو من العرب.

لاحظت تغير لهجته بالحديث عندما عادت زوجته ولم تعقب إلا بإبتسامة عذبة مما أثار استياء وغضب الآخر.

مايا: كما حرزت يا حبي، إنها عربية الأصل وذات إحساس عالي من الفن والإبداع.

حسام: أنتِ الفنانة المصرية التي تكرمت وجاءت إلى هنا!؟

دارين ببسمة تسلب فؤاده قبل عينيه: نعم أنا.

حسام: هل لي بشرف معرفة اسمك؟

دارين: وهل سيشكل فارق معك؟

حسام: بالطبع، قد نكون أقرباء من حيث العائلة أو ما شابه.

دارين: قد خمنت بشكل كبير حسام.

حسام: إذًا يمكنني معرفة الاسم.

دارين ببسمة: شكرًا لكِ على العصير الطازج يبدو لذيذ.

مايا: بالهناء والشفاء كما يقول زوجي.

حسام بغيظ: لقد مررت سؤال نحوك لم يصطدم بكِ؟

دارين: إلى اللقاء لقد تشرفت بمعرفتكم، سيد حسام قد تكون والدتك هنا في لندن وأنت لا تعرف حاول الإتصال بها ككل مرة في السنة أو التي تليها مع زيارتك في كل عشر سنوات تارة.

هنا صدم حسام حينما علم هويتها دون الإفصاح عن اسمها أو بلدها مما أدى إلى دهشة مايا التي أغلقت الباب خلفها وهي تسأل زوجها عن معنى الكلمات التي تفوهت بها؛ لأنها لا تعرف اللغة العربية أو تفهمها، فكان جوابه الجلوس مقره وإغلاق عينيه وهو غاضب من نفسه على تلك المعاملة الرديئة والبذئية التي عامل بها ابنة خالته.

مايا: ألا أحدثك، لماذا لا تجيبيني؟

حسام وهو على ذات حالته: أتركيني بمفردي الآن مايا.

هنا علمت مدى غضبه ومن الأفضل أن تغادر تاركة إياه قبل أن يصب كامل سخطه عليها في نتيجة لا يحمد عقباه.

هالة: لقد تأخرتِ يا ابنتي، أين كنتِ طيلة تلك المدة؟

دارين: جلبت تلك الهدايا وألتقطت بعض الصور التذكارية لتكون مشروع جديد بعد عودتي لأرض الوطن.

هالة: كنت أعلم ذلك، ولكن في أول يوم هكذا انتظري وقبل سفرنا قومي بذلك.

دارين: سنسافر بعد شهر وأحببت أخذهم وأنا متحمسة جدًا.

هالة بتوتر: غدًا أود زيارة حسام يا ابنتي.

دارين: كما تشاءين يا خالتي، أنا معك في أي قرار تأخذينه ما دامت راحتك به.

هالة: سلمتِ يا ابنتي، هيا بنا لقد جعلتهم يسخنون الطعام مرة أخرى.

حسام يجلس أمام شرفة غرفته التي ينعزل بها كلما هم به أمر ما ليفكر بأريحية دون إزعاج وثرثرة زوجته التي لا تكل من سؤاله عن حاله وما يزعجه.

حسام لذاته: كيف تكون تلك دارين، أليست كفيفة ولا تخرج دون عصاها أو أمي؟

ذاته: قد تكون غيرها وعلمت تلك المعلومات من والدتك.

حسام: لا لقد علمت العنوان دون أن تخطئ وكانت واثقة من كل كلمة تتفوه بها.

ذاته: لا تحير نفسك إن كانت والدتك هنا بالتأكيد ستأتي لزيارتك.

حسام: حينها أعلم إن كانت تلك دارين أم لا، ومتى استعادت بصرها إن كانت هي؟

ذاته بدأت في الجلد كعادتها في كل مرة يخطئ ويحاسب نفسه: لماذا كنت تنظر بطريقة مريبة ورغبة إليها؟

حسام: لقد كانت جميلة للغاية وحسنها لم أعهده من قبل.

ذاته: لولا تدخل زوجتك في الوقت المناسب كنت سترتكب جريمة حمقاء.

حسام: كم كنت أتمنى ذلك مع حسناء مثلها.

ذاته: ومن المفترض أنها كانت ابنة خالتك، ألم تر مدى خجلها من تصريحك الوقح والصريح لها؟

حسام: كان ممتع جدًا رؤيتها هكذا، يا ليتكِ لم تأتي مايا.

ذاته: لديها حق في كونك لا تخجل أنك تملك زوجة وتغازل غيرها بنظراتك المفترسة تلك.

حسام: أنا أمام الجمال لا أخجل في التعبير عن رأيي.

ذاته: قم لتنام ولا تنس أن تعرض نفسك على طبيب.

حسام: في كل مرة هكذا ينتهي الحال بتوبيخي ولا أأخذ منكِ حق أو باطل.

ذاته: الحق واضحًا ولا يحت

في صباح اليوم التالي استيقظت دارين وأدت صلاتها ذاهبة إلى إيقاظ خالتها بعدما طلبت الفطور ومعها كوب عصير برتقال طازج كما تفضله.

هالة: ما هذا الصباح الجميل يا ابنتي؟

دارين: صباحي جميل بوجودك فيه خالتي.

هالة: يا لنا من مزاج جيد وجميل في الصباح الباكر.

دارين: بعد الفطور نتجول قليلاً قبل ذهابنا لموعدنا.

هالة: أشعر بالحماس مع خيبة أمل يا ابنتي.

دارين: تناولي فطورك أولاً؛ ثم نتحدث حول شعورك عندما ترين ابنك العاق بعد مدة طويلة لا تذكرين عددها.

هالة بشجن: لا تنعتينه بالعاق يا ابنتي، ظروفه منعته من القدوم إلى مصر لرؤيتي.

دارين: خالتي، أنتِ في كل مرة تجمعين له حجة تحجبين بها حزنك منه وعليه.

هالة: طعم فطائر الجبن الأبيض مع اللبن لذيذة وشهية لتجربيها.

دارين: أحببتها، سأسكب الشاي ريثما تنتهي من فطورك.

أخذت لها صور كثيرة في أماكن شتى كتبت أدناها” وأنا مع خالتي في لندرا” وأخذوا يتجولون كثيرًا في الأماكن السياحية إلى أن جاء موعد الغداء قاموا بالذهاب إلى طريق بتيكوت شارع ميدلسكس في الحافة الشرقية للمدينة ؛ هو من الأسواق الراقية الموجودة بالشوارع، والتي تبيع كل شيء من الفواكه، والخضراوات الطازجة، إلى المجوهرات النادرة والتحف القديمة ومطعم فخم كالسفينة بجانب الاستماع إلى فرقة ” أيرون ميدن” الموسيقية الشهيرة.

هالة: لقد حل الليل ولم نذهب يا ابنتي؟

دارين: حسنًا كنت أود ختم ذاك اليوم الرائع بالسير على الشاطئ أو البحيرة الشهيرة، لكن طلب خالتي أغلى وأولى من أي شيء آخر.

مايا: ألن تخلد للنوم حبيبي؟

حسام: ليس الآن، أذهبي أنتِ عزيزتي.

قبلته قائلة: عمت مساء يا حبيبي.

حسام: وأنتِ أيضًا يا حبيبتي.

دق باب المنزل معلن عن زائر وتعجب هو كونه في وقت متأخر هكذا.

دارين أخذت نفس عميق وأخرجته ببطء شديد وهي تتذكر ما حدث معها الأمس ومعاملته لها.

هالة: هل يتذكر والدته يا ابنتي؟

دارين: وإن غاب عنك آلاف السنين لا ينسى ملاذه الحنون ومقره الدافئ خالتي.

هالة: دائمًا تجبرين بخاطري يا ابنتي، بارك الله فيكِ وحفظك من كل مكروه يارب.

دارين: سلمتِ خالتي، هذا لا يأتي ذرة فيما قدمتيه لي منذ أن رحلت عائلتي عني.

مايا: مرحبًا سيدة شاهين تفضلوا.

دارين بصوت منخفض: ما يزعجني في بلاد الغرب أن ألقابهم التي تشعرك بأنك لست امرأة على الإطلاق.

مايا: سأخبر حسام بوجودكم أنه في غرفته.

دارين: حسنًا، تفضلي هذه هدية صغيرة مني لكِ.

مايا: هذا لطف منكِ سلمتِ، تبدو جميلة للغاية.

دارين: هيا قومي بفتحها إذًا.

مايا بانبهار: يا لها من تحفة رائعة، شكرًا جزيلاً لك.

هالة: الجميع يعجب بفنك يا ابنتي.

دارين بفخر: ابنة أختك ليست قليلة على الإطلاق خالتي.

ضحكت هالة قائلة: بالطبع، لماذا تأخر حسام هكذا؟

دارين: لم تغب خمس دقائق على بعضهم، لتصبري قليلاً بعد يا خالتي.

مايا: حبيبي، السيدة شاهين ووالدتها بالخارج.

كان على حالته منذ الأمس صراع مع ذاته بجانب جلدها السرمدي له أفاق على كلمة ” والدتها” أي أنها لم تكن ابنة خالته مما جعله يزفر بأريحية وأخبرها أنه قادم بعد قليل.

مايا: تفضلن.

دارين: شكرًا لكِ، ألم تسلمي على والدة زوجك؟

مايا بدهشة: لوهلة ظننتها والدتك؛ لذلك لم أفعل وكنت على وشك الترحيب بها، فمرحبًا بكِ وقامت بتقبيل يديها من باب الاحترام.

هالة: سلمتِ يا ابنتي.

دارين: إنها تقول لكِ سلمتِ وتشرفت بمعرفتك.

مايا: حسام دائمًا يحدثني عنك ومن كلامه لقد احببتك أكثر حينما رأيتك يا سيدتي.

قامت دارين بالترجمة إلى خالتها وكل حديثها تترجمه لمايا إلى أن جاء حسام صدم من وجود والدته وكانت دارين تعبث في حقيبتها لم يرها.

هالة قامت باحتضانه بشدة وهي تدمع للقاء ابنها الوحيد بعد تلك الفترة الطويلة والعصبية بعيدًا عنه.

حسام: لقد اشتقت كثيرًا إليكِ أمي، كيف حالك وحال صحتك؟

هالة: وأنا أيضًا حسام لقد كنت أعد الأيام للقياك يا بني.

دارين: الحمدلله دائمًا وأبدًا على اجتماعكم خالتي.

حسام: دارين.. دارين كيف حالك؟

دارين باقتضاب: الحمدلله.

هالة: ألا تلاحظ شيئًا فيها يا بني؟

حسام: لقد تعافت ماشاء اللّٰه.

هالة: نعم، الحمدلله دائمًا وأبدًا لقد خضعت لعملية جراحية وتم شفائها على الخير.

كانت دارين تراسل مريم على هاتفها ولا تشاركهم في الحديث مايا اكتفت بالمتابعة في صمت ما يحدث من لقاء الأم بابنها وتعرفها على دارين ابنة خالة زوجها لوهلة ظنتها شقيقته.

حسام لاحظ انشغال دارين وتعابير وجهها حينما يتم استلام رسالة من الراسل مما جعله تتغير ملامح وجهه ملاحظة ذلك هالة التي قامت بدورها بسؤالها عما تفعله تاركة إياهم دون المناقشة معهم.

دارين: أراسل مريم خالتي لأطمئن عليها.

هالة: حسنًا لتسلمي عليها.

دارين: ليسلمك الله من كل سوء وشر يارب.

حسام: أين تقطني الآن يا أمي؟

هالة: في فندق بجوار المطار يا بني.

حسام: ما هذا الكلام بيت ابنك كبير ويساع ألف وأنتِ تجلسين في فندق؟

هالة: لا أريد إزعاجك أنت وزوجتك يا بني.

حسام: لا يجوز كلامك هذا أمي، مايا ترحب بكِ وبدارين طوال فترة تواجدكم هنا في لندن.

مايا: لقد استمعت إلى اسمي حبيبي، هل تريد شيئًا؟

ابتسمت دارين على فطنتنها وقامت بالترجمة عوضًا عن زوجها وقامت بحذف تواجدها في المنزل معهم وذكرت فقط والدته.

حسام: لقد ذكرت كلاكما.

دارين: خالتي إن أردت البقاء هنا لتفعلي، لكن أنا لا يمكنني ذلك أفضل أن أكون هناك براحتي.

حسام: لقد أخبرتها عما بدر مني من قبل!؟

دارين: لا أخفي شيء عن خالتي، لكن ما الذي علي أخفيه في كوني ابنة خالتك حسام؟

مايا: لأدخل إلى غرفتي إن احتجت شيء ناديني.

دارين: لقد استاءت زوجتك على الأغلب أيها الكابتن.

هالة: لا تتأخري في القدوم صباحًا لنفطر معًا.

دارين: حسنًا، تصبحين على خير يا خالتي.

حسام: دارين، هل لي بكلمة من فضلك؟

دارين: تفضل.

حسام: هل كنت غليظ معك كالعادة؟

دارين: لنفرض أنني لم أكن ابنة خالتك كنت ستتمادى معي!

حسام بحرج: بالطبع لا، فأنا لست منحرف وما شابه.

دارين: لنقل أن إقامتك في لندن جعلتك تنس عاداتك وتقاليدك، هل تغافلت أيضًا عن دينك وما ينهاك عنه؟

حسام: لقد اعتذرت منك أكثر من مرة.

دارين: لم أنتظر منك أية اعتذارات، سأغادر الآن ولن أعود لا تظن أن ذلك المنزل يخصني في شيء.

حسام: وصلت الرسالة دون الحاجة إلى تحطيم علاقتنا الأسرية يا دني.

دارين: لا تناديني بذلك اللقب؛ لأن والدتي ” رحمها الله” وحدها التي يحق لها أن تقول لي، فإن أردت أن أكون ابنة خالتك لا تتجاوز حدودك معي.

حسام: متى تجاوزت حدودي معك؟

دارين: عندما جعلتك ملسنك ينطق بالسخرية تجاهي والآن تغازلني بعدما أبصرت.

حسام: أعتذر بشدة عما بدر مني في مهاتفتنا، تعلمين أن مزاحي ثقيل بعض الشيء.

دارين: اعتني بخالتي جيدًا ولا تحزنها.

بعض الكلمات لا تصلح لتكون دواء أو ضمادة بجروح عميقة لا تشفى بالاعتذار تسببت إثر مواقف أو سخرية بحديث يظنه البعض عاديًا ويمرره مرور الكرام دون الالتفات إليه أو إعطاءه بال، فإن تفوهت بكلمات الأسف تظن أنه انتهى الأمر وعادت المياه لمجراها كما يقول وبالحقيقة أزداد الطين بلة.

عادت دارين إلى الفندق تحاول أن تنام وأخذت تجول ذهابًا وإيابًا لا تستطيع أن تغفو ولو قليلاً وخالتها غير موجودة، بالبداية ظنت أنها ساعدها التي يرشدها بالطريق وتتكئ عليه إن مالت الحياة أو خذلتها إتضح إنها هامة بالنسبة لها أكثر من ذلك هي وحيدة الآن تشاهد التلفاز لعلها تهدر بعض الوقت إلى أن يبزغ الفجر وتشرق الشمس وتارة أخرى تلهو بهاتفها بالنهاية انتقت أن تقرأ القرآن الكريم والفاتحة لوالديها وجميع موتى المسلمين ظلت على حالتها إلى أن طرق الباب وتناولت بعض اللقيمات مع احتساء قهوتها ذاهبة بعد ذلك إلى خالتها التي ظلت معها طوال اليوم كانت بانتظار خروج حسام لتذهب إلى خالتها وفور ذهابه إلى عمله بعدها بخمس دقائق دقت على الباب وقامت بالفتح لها مايا التي رحبت بها كثيرًا وجلسوا مع بعضهن البعض.

هالة: كنت بانتظارك لنفطر معًا.

دارين: حسنًا يا خالتي، لأعد إليكِ فطور مصري أصيل.

مايا: هل تريدين شيئًا؟

دارين: فقط استخدام مطبخك لدقائق معدودة.

مايا بانزعاج طفيف: تفضلي، لكن لماذا؟

دارين: سأعد شكشوكة وفول مدمس بجانب الفلافل والجبنة البيضاء أو السلطة الخضراء.

مايا: تعدين كل ذلك في دقائق!

دارين: سترين مهاراتي الآن يا جميلة.

بعد إنهاء الطعام والجلوس على الطاولة قاموا بتقديمه إلى مايا لتشاركهم وتبدي رأيها في البداية أبت ذلك ومع التكرار من ناحية دارين وخالتها انضمت إليهم وتذوقته بدهشة للذاذته وطعمه الشهي.

هالة: يبدو أن الطعام نال اعجابك؟!

دارين: هل أعجبك الطعام؟!

مايا: بالطبع، لم أذق بحياتي أكل مثله مطلقًا.

دارين ببسمة: الطعام المصري بكل مكان محبوب ولا تجدين مثيل له.

هالة: بالطبع، أنا لا أفقه من حديثكم شيء؛ لذلك لا أشارككم النقاش.

دارين: سألتها عن رأيها حول الطعام الذي اعددته ومدحي بالأطعمة المصرية.

هالة: جميل، هاتفك منذ قليل صدح بوصول رسالة نصية.

دارين: حسنًا، مايا أود استخدام غرفة لإجراء مكالمة هاتفية من فضلك.

مايا: تفضلي هذه غرفة حسام لا يدخلها غيره يمكنك الاستئذان منه قبل الدخول.

دارين بلا مبالاة: طبعًا، طبعًا سأفعل ذلك.

هالة: هل تشربين الشاي معي يا ابنتي؟

مايا: لا أفهم اللغة العربية يا سيدتي!

دارين: تقصد تريدين احتساء كوب شاي معها أم لا؟

هالة: يا منقذتي أنتِ يا دني.

دارين: قلبها أنتِ يا خالتي الغالية.

مايا: لِمَ لا، لأعده لكِ يا سيدتي.

هالة: لا تتركيني معها كثيرًا يا دارين.

ضحكت هي على كلماتها تلك مع حركاتها التي تستشيط غيظًا من كونها لا تفهم حديثها ولا تعرف ماهية شعورها إن كانت تحبها أم تكن لها أية ضغينة لكونها موجودة معها بالمنزل.

دارين: مرحبًا مريم، لم أستمع إلى الهاتف أعذريني يا صغيرة كيف حالكِ؟

منى: أنا لست مريم، إنني والدتها …

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *