بقلم المحبة لله
دارين: مرحبًا عمتي، كيف حالكِ؟
منى: الحمدلله دائمًا وأبدًا على كل حال، وأنتِ؟!
دارين: ليدوم حمدك وسعدك يارب وتكوني بأفضل حال دائمًا وأبدًا يارب.
منى: سلمتِ يارب، كنت أود أن أقول لكِ شيئًا لن أأخذ من وقتك كثيرًا.
دارين: تفضلي يا عمتي، هل مريم بخير؟
منى: نعم، الحمد لله ليس الموضوع له علاقة بابنتي.
دارين: خيرًا، ما هي المسألة وتبدو مهمة للغاية؟
منى: إن شاء اللّٰه خيرًا، فأنا اتضح لي مو التحاليل التي أجريتها أعاني من مرض خطير ولابد من سفري لتلقي العلاج ولا أعلم مريم ما الذي سيحل بها؟
دارين: لا حول ولا قوة إلا بالله، إن شاء اللّٰه يتم شفاكِ على خير يارب.
منى: اللهم آمين، هل يمكنك الاعتناء بابنتي ريثما أعود من فترة علاجي تلك؟
دارين: بالطبع، إنها ليست رفيقتي فحسب؛ بل هي شقيقتي الصغرى والاعتناء بها واجب علي وليس لطلبك أفعل.
منى: سلمتِ يا دارين الجميلة، كنت أود أن تسامحيني على معاملتي القاسية معك وتنمري من خوفي على مريم.
دارين: لا عليكِ يا عمتي، فأنا لا ألتفت إلى تلك الأمور وإن شاء اللّٰه بنهاية الشهر سأكون في القاهرة.
منى: إن شاء اللّٰه وأنا أيضًا ببداية الشهر المقبل، سأخضع لعلاجي وأريد منكِ شيئًا آخر ألا تعلم بحديثي معكِ.
دارين: حسنًا، سأغلق الآن ولاحقًا أحدثك.
منى: إن شاء اللّٰه يا ابنتي.
هالة: الشاي قد برد يا ابنتي، ما تلك المكالمة الهاتفية المهمة التي تأخذين فيها كل ذلك الوقت؟
دارين: لا شيء خالتي، هيا بنا لأحتسيه قبل مغادرتي لم أنم منذ البارحة وأتضور جوعًا من النعاس.
هالة: حسنًا، ولكن لماذا لا تبيتين معنا الليلة؟
دارين: لن أشعر بالراحة هنا يا خالتي، دعيني على راحتي أفضل من البقاء وأنا أشعر بالاستياء.
مايا: سيدتي، إن حسام اتصل ويريد الحديث معكِ.
دارين: هل حماتك أصبحت الآن سيدتي؟
مايا: نحن لا نقول هنا حماتي.
دارين: بالله من ملسنك تبدو أجمل من سيدتي بكثير.
هالة: بالتأكيد أنا لا أفقه شيئًا مما يقال، لكن استمعت إلى اسم ولدي من حديثها.
دارين: إنه على الهاتف ويريد التكلم معكِ خالتي.
هالة: كل ذلك وفقط يود التحدث إلي.
مايا: هل وجهت إلي حديثًا مما تفوهت به الآن.
دارين: لا يا حبيبتي، هيا بنا لنر الشاي الذي تثلج وليس برد فحسب.
مايا: هناك من يشرب الشاي وهو ساقع.
دارين: لدينا يوجد كولا وهي الوحيدة مع العصائر التي تشرب ساقعة.
مايا: وأنا عندي كولا أيضًا بالبراد، هل تحبين أن أسكب إليكِ كوب؟
دارين: هذا أفضل من شرب الشاي.
هالة: هذا يعني أنك لن تأتي إلى المنزل اليوم يا بني؟
حسام: نعم أمي، أعتني بنفسك جيدًا وبمايا إذا أردتِ شيء اطلبي منها عبر الورقة التي أعطيتك إياها في الصباح.
هالة: حسنًا، حتى دارين هنا وتريد الرحيل إذا كان الأمر كذلك أخبرها أن تبيت معي.
حسام: البيت بيتها يا أمي، خذوا راحتكم لدي عملاً لاحقًا نكمل حديثنا.
هالة: في حفظ الله ورعايته يا بني.
دارين: إلى اللقاء خالتي، في الصباح الباكر نفطر سويًا في المطعم المقابل للمنزل ليس ببعيد.
هالة: ما هذا قطر اصبري قليلاً؟
دارين بتعجب: هل لقبتني للتو بقطر يا خالتي؟!
مايا: ماذا أخبرك حسام يا أمي؟
دارين بحب: لقد نادتك للتو أمي.
هالة: أمي!!
مايا: أعتذر أقصد سيدتي.
دارين: اريد أن تعرف ماذا أخبرك حسام؟
هالة: سيبقى الليلة بالخارج وأنتِ ستكونين معنا هنا إلى أن يحل الصباح ونفطر معًا في المطعم.
دارين: لقد أخبر خالتي أنه سيظل الليلة بالخارج ولن يعود.
مايا بحزن: حسنًا.
دارين: لماذا يعامل زوجته بتلك الطريقة خالتي؟
هالة: إنه يعاملها بلطف جم.
دارين: من الواضح أنها تركت عملها وعائلتها من أجله.
هالة: ماذا تقصدين، هل تقصدي أن ابني يظلمها ولا يحبها؟
دارين: لا عليكِ خالتي، إنني مغادرة ولست أبى البقاء لكونه ليس موجودًا أو بالمنزل.
هالة: أجيبي على سؤالي أولاً؛ ثم قولي ما تشاءين.
دارين: مما أراه أنه كذلك لا يحبها أو يحترمها في طريقة حديثه وتجاهله لها ولمشاعرها إذا كان ذلك يحزنك أنتِ من استفسرت عن رؤيتي للعلاقة بينهما وهذا لا يعني أنه ابن خالتي أمرر جفاه بتلك الطريقة.
هالة: ابني ليس جاف المعاملة مع زوجته يا ابنتي، من الممكن أنه يحب أخرى وتسيطر على مشاعره وقلبه.
دارين: هذا لا يعطيه الحق أن يظلمها وهي من ضحت لأجله وقدمت الكثير؛ بينما هو لم يفكر في التنازل قليلاً عن رجولته كما يراها بالتكبر عليها، فهي تحبه وهو يستغل ذلك لإرضاء نفسه الم…
هالة بألم: أكملي كلمتك يا دارين وهاتي ما في جعبتك، ماذا يوجد أكثر بداخلك تجاه أبني؟
مايا: ما الذي يحدث هنا، أنا لا أفهم شيئًا؟
دارين: ليس كل الأمور يكون له فهم ومعرفة يا مايا، إلى اللقاء أنا راحلة عن هنا.
هالة: إلي أين، ألا أحدثك يا ابنتي؟
دارين: من الواضح أنه لم أعد ابنتك بعد الآن يا خالتي.
خرجت والدموع تسيل على وجنتيها طالبة التحرر من أسر عيونها وتطلق لها العنان بجانب الفندق جلست تنعي وحدتها التي ستظل ملازمة لها طوال حياتها.
حسام: ما الذي يحدث معك بالظبط؟
دارين: لا شأن لك ولترحل من هنا.
حسام: لماذا ملسنك دائمًا حاد معي؟
دارين: قلت لك لترحل.
حسام: وأنا لن أغادر قبل معرفة السبب الذي أدى إلى حالتك تلك.
دارين بنفاذ صبر: أمك تبحث عنك بالطبع؛ لتذهب قبل أن تنشر صورك بالجرائد على أنك مفقود، فكن بجوارها الآن ودعني وشأني.
حسام: لم أكن أعلم أن مزاحك ثقيل لتلك الدرجة لن أعيد سؤالي مرة أخرى: ما الذي يجري معك؟
دارين: هذا شيء خاص لا دخل لك به.
حسام: هل قام حبيبك بخذلانك أو خيانتك؟
دارين بكذب: هذا لا يخصك بشيء ولا تتدخل كما أخبرتك مرارًا وتكرارًا.
حسام بخيبة أمل: بالطبع لا يخصني، فأنا فقط ابن خالتك ولا يحق لي التدخل بشؤونك آنى كانت.
دارين: أحسنت، هيا ارحل الآن ولا تقلق والدتك.
حسام: لكن لدي سؤال حيال كلمة والدتك التي كنتِ تدعونيها خالتي، هل تشاجرتم أم حدث بينكم شيء ما؟
دارين: لأقولها صريحة لك وبدون لف أو دوران كما يقولون، أنا لست إمرأة تنزع البيوت أو الأسر يا ابن خالتي وهذه حقيقة عليك أن تعلمها وتتعامل على أساسها معي، فأنا قبل أن أبصر وبعدها أراك هكذا لا تضع نفسك في وضع محرج لن أقبله من أجلك.
حسام: فهمت، أمي قامت بالتلميح لك عن رغبتها في بقائك معنا دائمًا ورفض فكرة الابتعاد أو مصاهرة أحد خارج العائلة.
دارين: نعم وأنا كما أعربت لك منذ قليل أنت وباقي العائلة إخوتي لن تتغير تلك النظرة مدى الحياة.
حسام: هل إن طلبت البقاء معنا لحين سفرك ستقبلين أم ستكون الإجابة على جرح وتحطيم خاطر خالتك؟
دارين: لقد عرضت علي المكوث هناك لتلك الفترة، ولكن أنا لا أشعر بالارتياح في وجودي هناك وليس ببقاء مايا أو انبثاقها منه لتفكر مليًا قبل أن تهدم عشكم الذي ضحت من أجله بعائلتها وعملها.
حسام: هل هي من أخبرتك؟!
دارين: بالطبع لا، فأنا منذ تعرفي عليها لم أر أحدًا من عائلتها أو هاتفتهم أمامي وكل نساء الغرب يعملون أو يفضلون أن تكون لهم حياة عملية مستقلة بعيد عن أزواجهم.
حسام: هذا يعني أنه مجرد استنتاج فحسب!
دارين: نعم، فقط أخبرتك بما رأيته أمامي.
حسام: لن أضغط عليكِ في القدوم معي، لكن أود أن نتناول العشاء جميعنا كل ليلة.
دارين: إن شاء اللّٰه.
غادر حسام تاركًا وراءه دارين تفكر بما سيحدث لها في حياتها القادمة واضعة في حسبانها مريم التي منذ أن رأتها وهي تعتبرها شقيقتها الصغرى ولن تتخلى عنها مهما حدث حتى وإن اضطرت إلى أن تظل هكذا طوال حياتها دون شريك حياة وهي تكون مؤنستها إلى أن تسلمها لزوجها المستقبلي الذي يراعي الله فيها إن حدث لا قدر الله مكروه لوالدتها أو تركتها وحيدة في دنيا لا تعلم الرحمة أو البشر هم الذين يفعلون ذلك.
هالة: بني تأخرت في القدوم، كيف حالك؟
حسام: الحمدلله دائمًا وأبدًا كان علي البقاء في عملي يا أمي.
هالة: أعانك الله ورزقك العافية والرزق الحلال الوفير يا بني.
حسام: اللهم آمين يارب، أين مايا؟
هالة: زوجتك تعد العشاء وطلبت منها تقديم المساعدة إليها، لكنها رفضت ذلك.
حسام: أمي هي لا تريد أن تتعبك ليس إلا.
مايا: مرحبًا بعودتك.
حسام: مرحبًا بكِ حبيبي.
مايا بتعجب: هل احضر لك الشاي قبل الطعام؟
حسام: ليكن مع العشاء جميلتي.
مايا: لست معتادة على ذلك الغزل منك، يبدو أن مزاجك اليوم جميل ورائع.
حسام: دائمًا رؤيتك تجعل يومي وكل حياتي جميلة ورائعة زوجتي الجميلة.
هالة: بالطبع إنني لا أفقه شيء مما يقال أمامي.
مايا: سأكمل لك الطعام يا حبيبي.
حسام: حسنًا بانتظارك يا جميل.
هالة: هل قابلت دارين اليوم يا بني؟
حسام: رايتها في الصباح قبل أن آتي إلى هنا.
هالة: نحن بالمساء وأنت تقول في الصباح، ماذا يعني هذا؟
حسام: لقد تركتها على راحتها ولن أزعجها أمي.
طرق الباب وقام برؤية الطارق حسام وزهل من وجودها وتمسك بيديها طفلة صغيرة بعمر العاشرة.
مريم: هل ستظل مزهولاً هكذا يا رجل أم ترحب بنا؟
دارين: كفى مزاحًا روما، أين خالتي؟
حسام: تفضلي ومرحبًا بكِ يا روما.
مريم: هذا الاسم لا تناديني به سوى آنستي.
هالة: من الطارق يا بني؟
مريم احتضنتها بشوق وحنين: إنها أنا يا عمتي.
هالة: روما لقد اشتقت إليك كثيرًا، كيف حالك وحال والدتك؟
دارين: إنها بخير يا خالتي، مريم جاءت للمكوث معي إلى أن نعود سويًا إلى الوطن أم قررت البقاء هنا مع ابنك؟
هالة: دعينا نتحدث لاحقًا، الآن وقت الطعام هيا صغيرتي لتغسلين وجهك ويدك جيدًا.
مايا: مرحبًا بكِ دارين، كيف حالك؟
دارين: الحمدلله دائمًا وأبدًا يا ميوش، وأنتِ؟
مايا: بخير سلمتِ.
فزعت من مريم حين خروجها مما أوقع الصحن من يديها وتحطم إلى عدة أجزاء.
هالة بغضب: ألا ترين أمامك أيتها البلهاء؟
حسام: ما الذي حدث لكل ذلك أمي؟
دارين قامت بلم بقايا الصحن من الارض بيديها دون أن تتفوه بكلمة واحدة.
حسام: دارين ستجرح يدك لا تفعلي ذلك.
مريم: أسفة لم أقصد افزاعك يا جميلة.
مايا بحزن: لا أفهم اللغة العربية.
مريم أعادت جملتها وتلك المرة باللغة الإنجليزية لتفهمها مايا وقدمت نفسها إليها.
هالة: ماذا فعلتِ يا ابنتي، لقد جرحت يدك؟
دارين: خالتي لم يكن هناك داعي من ذلك الغضب على مايا في الصالة.
هالة: بعدما عشت معها لم أر أحدًا يليق بابني سواك.
دارين: لن نفتح ذلك الموضع مرة أخرى خالتي والحمدلله أن مايا لا تفقه العربية إلا حينها لحزنت مما تقولينه منذ ومتى هي متزوجة حسام، هل استخبرت منه إن كان سعيدًا معها أم لا؟
هالة: لقد أخبرني بعدم راحته معها ويريد الانفصال عنها.
دارين: خالتي لتكوني محضر خير لقد مر الكثير من الوقت على زواجه منها وهذا يعني أنه سعيد ومرتاح معها إن كان عكس ذلك ما كان عاش معها طيلة تلك الفترة وهي تحمل في أحشاءها بذرة حبهم وعمرهم الطويل معًا.
هالة بصدمة: ماذا تقولين، وهل يعرف ابني بذلك؟
دارين: كانت ستقول له بالأمس وبعدما عاد اليوم لن تتأخر في أخباره بذلك الخبر السار والذي سيجعله ينسى أي أحد أو شيء يجعله يترك وراءه عائلته ويمضي في حياة جديدة مع أناس جدد.
مريم: آنستي إني خائفة هل لنا أن نذهب من هنا؟
هالة: ما الذي يجعلك تزعرين يا صغيرتي؟
مريم: لقد اشتقت إلى أمي كثيرًا وأريد الخروج من هنا.
دارين: لا تقلقين يا روما، فأنا من أرسلت إليكِ يوجد هنا مشاريع شتى لجعلها جمالاً فنيًا.
مريم: إن كان كذلك إنني موافقة يا مبدعتي.
حسام: الطعام كاد يبرد أمي، هيا يا جماعة.
مايا: هل تسببت في مشكلة دون أن أدري؟
دارين: لا شيء من ذلك القبيل يا حبيبتي.
مريم: بسم اللّٰه ماشاء الله، الطعام جميل جدًا.
جاء اتصال هاتفي إلى دارين جعلها تترك الطعام وتدخل غرفة حسام الخاصة للتحدث مع الهاتف.
منى: هل ابنتي بخير؟
دارين: لا تقلقي هي لم تشك بشيء وبجانب كونها بخير فقط تشتاق إليك.
منى: وأنا أيضًا كثيرًا.
دارين: جمعك الله بها على خير وأتم شفاءك يارب العالمين.
منى: اللهم آمين يارب، هل لي بطلب صغير؟
دارين: عمتي ، بالطبع تفضلي.
منى: إن حدث شيء لي ولم أتمكن من رؤيتها مجددًا أوصيها بزيارتي دائمًا لأشعر بها معي ولا تحدثيها بسوء عني، حتى لا تمقتني يومًا ولا تحبذ القدوم لي أو الدعاء.
دارين: لا تقولين هذا الكلام عمتي، إن شاء اللّٰه تقومين بألف سلامة وعافية إلى أن ترينها عروس وتسلميها بيدك إلى زوجها المستقبلي الذي يراعي الله فيها.
منى: هذا حلم جميل، ولكني لا أعرف إن كنت سأشهد تلك الفرحة أم سأشعر بها وأنا راقدة بين أحبتي؟
دارين: إن شاء اللّٰه تشهدينها وأكثر يارب العالمين.
مريم: آنستي لقد تأخرت، مع من تتحدثين؟
منى: حبيبة قلبي مريم.
دارين: إنها صديقة وأخت لي يا روما، سألحق بك حالاً.
مريم: أود التحدث معك لدقيقتين قبل أن نعود.
منى: لا تجعلينها تشعر بشيء حيالي يا ابنتي.
دارين: لا تقلقين يا أختي، فكل شيء سيكون على ما يرام عن قريب بإذن اللّٰه اعتني بنفسك جيدًا وسأعاود الاتصال بك.
مريم: أين سأمكث معك أم هنا مع عمتي؟
دارين: هي من أخبرتك بذلك الأمر أم أنت من تسألين؟
مريم: هي عرضت علي ذلك الأمر وأنا أفكر به.
دارين: لا تقلقين منذ الآن وجودك سيكون معي.
مريم بانبهار: من الواضح أنه هناك فنانين غيرنا في المكان.
قامت بنزع الغطاء عن اللوحة التي برزت بها دارين بلون عينيها الشفق بدلاً من القهوة البنية وتحمل بين يديها طفل صغير وتبتسم ابتسامة عذبة وحولها الفراشات تحلق في السماء الصافية والأزهار بألوان زاهية.
دارين: ما فعلتيه جدًا عيب يا مريم.
مريم: نحن نرى الجمال فحسب يا آنستي.
أعادتها كما كانت بعدما ألتقطت إليها صورة مريم خلسة دون أن ترها وقامت بامساك يديها للخروج.
حسام بمزاح: آه يا غرفتي الجميلة، أصبح حتى الرعاع يدخلونك.
دارين بغضب مكتوم: انتبه، بماذا ينطق ملسنك قبل أن تتفوه أيها الرجل؟
هالة: ما الذي يجري هنا؟
مريم: سنكمل عشاءنا بالخارج عمتي.
هالة: وماذا حدث هنا لترحلين يا صغيرتي؟
مريم: لا، آنستي تريد أن تريني لندن ونشاهد معالمها.
دارين: لا تنتظرينا على الفطار أو العشاء غدًا يا خالتي، هيا بنا يا روما لنذهب.
حسام أوقف دارين ممسكًا بيديها: لم أقصد ما قلته كنت أمزح فحسب.
دارين بحزن: وإن كان كذلك نحن لسنا رعاع يا كابتن.
هالة بتعجب: رعاع!؟
دارين: قومي بسؤال ابنك المحترم عن تلك الكلمة.
مايا: دارين لم تكملي عشاءك.
دارين: الحمدلله دائمًا وأبدًا ، سلمت يداك أدام الله جمعتكم بالخير ولتخبري زوجك بخبرك السار.
مايا بحزن: هل سيسر بذلك أم سيأمرني بإجهاضه؟
دارين: حسام رجل يعرف ربه جيدًا ولن يسمح بذلك؛ لأنه أمر حرام ولا يستحب أن يجهض الطفل الصغير وهو في أحشائك، فإن الحرام يجلب غضب ربنا سبحانه وتعالى والذي لن يتحمله حسام.
مريم: هل هي حامل؟
دارين ببسمة: نعم يا روما، هيا بنا لنكمل عشاءنا بأي مطعم فخم يليق بجميلتي.
مريم: لم أتناول لقمة واحدة معهم.
دارين: وأنا بدوري سأشبع صغيرتي وأجلب لها الحلوى.
بعدما أنهوا طعامهم كانت دارين تفكر بحال والدة مريم ومايا التي لا تعرف ردة فعل زوجها وقبوله بذلك الجنين وتكملة الحياة معها أم العودة إلى الديار مع والدته.. جاء اتصال إليها وهي على حالتها تلك.
هالة: إلى أين ذهبتِ بعدما أشعلت فتيل النار بين ابني وزوجته؟
دارين: البشر يقولون مرحبًا اولاً خالتي.
هالة: لا وقت لدي للترحيب بك أو الاستخبار عن حالتك.
دارين: أنت لست خالتي التي عهدتها وأحببتها منذ محنتي وأنت أم لي ولست شقيقة والدتي فحسب، لماذا ذلك التغيير المفاجئ منذ قدومنا إلى هنا وإلتقائك بابنك؟
هالة: دائمًا ما تقولين عنه ” ابنك” وهو لم يقدم سوى الخير إليك.
دارين: لا وقت للعتاب الآن خالتي، أين حسام؟
هالة: لقد صفع الباب وراءه ولم يعيرنا أدنى اهتمام أو لندائنا السرمدي عليه.
دارين: إنني قادمة الآن وسأترك مريم لديك إلى أن أنهي ذلك الأمر الذي تسببت به كما تقولين.
هالة: هل تتحدثين بجدية يا ابنتي؟
دارين لنفسها: ” ابنتي!!!” نعم يا خالتي، لا تقلقين نفسك ابنك المدلل سيبيت الليلة في منزله وكنف والدته.
مريم: ما الذي يحدث آنستي؟
دارين: هناك أمر علي أن أحله يا روما، وأنتِ ستظلين مع خالتي فقط بضع ساعات ولن أتأخر عليكِ.
مريم: هل قدومي إلى هنا تسبب لك في متاعب آنستي؟
دارين: لا يا قلب آنستك، فإن تلك المعضلة بدأت في النمو منذ شفائي على الأغلب.
مريم: حسنًا لانتظرك هنا ريثما تعودين.
دارين: لن أكون مطمئنة عليك وأنت بمفردك يا حبيبتي.
هالة: مرحبًا مريم، مرحبًا يا ابنتي تفضلا بالدخول.
دارين: أنا لن ألج ومن فضلك اعتني بمريم جيدًا لحين عودتي.
مايا: إلى أين أنتِ ذاهبة؟
دارين: لا تقلقين إن ابن خالتي لديه عقدة نفسية من المفاجآت فحسب؛ لذلك حينما أبلغتيه على فجأة فعل ما فعله دون قصد مايا، فهو لن يجد أفضل وأحلى منك زوجة وأم لأولاده تأكدي من ذلك.
مايا: شكرًا لك دارين.
ابتسم مريم على لطافة وذوق دارين معها وهي تحاول أن تجبر بخاطرها الذي حطمه زوجها دون أن يدري تارك وراءه قلب منفطر بدلاً من أن يسعده ويسر هو معها بذلك الخبر السار وأن فرد جديد سينضم إلى العائلة.
حاولت أن تهاتفه مرارًا وتكرارًا دون جدوى وسألت والدته عن مكان عمله ذهبت إليه لتراه يجلس وحيد بين مدرجات الملعب وعيناه تحتوي على الغضب والحزن بآن واحد.
دارين: هل يمكنني الجلوس؟
حسام فضل أن يصمت ولا يجيب بكلمة قد تنزع ما تبقى من صلة بينهما.
دارين بمزاح: في بلدنا الحبيب يقولون ” الصمت علامة الرضا والقبول”.
حسام بوجوم: ماذا هناك، لماذا جئت إلى هنا، من أين علمت بمكان عملي؟
دارين: ما تلك الأسئلة جلها في أول مرة لزيارتي في مكان عملك أيها الكابتن؟
حسام: لقد سألت أولاً على فكرة لا تجيبي بسؤال.
دارين بمزاح: عجبًا لكم أيها المصريون تجيبون على السؤال بسؤال آخر.
حسام: حسنًا لأصمت إن كنت ستكملين هكذا.
دارين: حسنًا بانتظارك بالخارج لنشرب شيء ما.
حسام: لست بحاجة لأي مشروب الآن.
دارين: حسنًا لنأكل البيتزا ورقائق البطاطس المحمرة.
حسام: لا أشعر بالجوع أو الشهية لتناول أي شيء.
دارين: ما هذا الفصلان الذي أصبت به يا رجل؟
حسام: لا أعلم فقط أود الجلوس بمفردي قليلاً، هلا سمحت لي من فضلك؟
دارين: للأسف هذه المرة لا، فأنا سبب حالتك تلك وعلي معالجتها قبل أن أغادر من هنا.
حسام: هل سترحلين من لندن وتعودين إلى مصر؟
دارين: الأمر لا يحتاج إجابة يا كابتن.
حسام: أرجوك لا تفعلين ذلك، فأنا أحتاج إلى وجودك بجانبي إنني لا أرى الحياة دونك.
دارين:….
حسام: أعلم أنك مصدومة من حديثي هذا، لكن تلك الحقيقة التي لا استطيع اخفاءها مهما حاولت؛ لذلك غضبت من مايا لكونها حامل في ذلك الوقت بالتحديد، فأنا كنت عازم على تطليقها وعدم تضييع حبيبتي من يدي مرة أخرى.
دارين: لنذهب من هنا يا حسام، فإن كنا سنتحدث لنختار مكان آخر.
حسام: نشرب كوبين من القهوة الفرنسية كما تفضلينها؟
دارين ببسمة: حسنًا إن كانت هكذا.
حسام: من فضلك كوبين قهوة فرنسية.
دارين: لا أود أن أحزنك، فإن كنت ستتقبل حديثي لأفعل وإن كان غير ذلك لن أحزن.
حسام: كلي آذان صاغية.
دارين:….
حسام: شكرًا لك.
دارين: منذ زواجك الذي كان من عشرة سنين كنت أراك ابن خالتي فحسب وشعرت مدى سعادتك عندما انتقيت مايا بذاتك ولم يفرضها أحد عليك إلى ذلك الوقت كنت كفيفة كما قلت عن الحياة جلها وليس من حولي فقط لم أعرف الحب يومًا سوى مع مريم وخالتي رغم انحيازها لصفك وتجور على مايا التي أحبتك وأختارتك برغم أنك لست أجنبي مثلها ووقفت أمام عائلتها جلها وعارضت تقاليدهم المتعارف عليها غير إنها تنصت إلى كلامك وتنفذه بعد كل تلك التنازلات تريد أن تتركها وبذرة حبكما التي تحملها بين أحشائها، فأنت لا تعرف مدى السعادة التي كانت تشعر بها حينما أخبرتني بعد كل ذلك؛ ستتخلى عنها وتخذلها في منتصف الطريق، فهل هي تستحق بنظرك أن تسير وراء مشاعرك نحوي تارك إياهم دون احتواء وأمان في الحياة بمفردهما؟
حسام بضجر: لا، ولكن أنا لا يمكنني أن أكمل حياتي معها ولم أعد أشعر بشيء تجاهها.
دارين: بعد كلامي جله تتحدث هكذا يا حسام، دعك من شعورك الوهمي تجاهي وعندما يولد ذلك الجنين حينها سيتغير رأيك ويوطد علاقتكما ببعضكما البعض من جديد.
حسام بتفكير: حسنًا، هل تظنين ذلك؟
دارين: بالطبع، ولا تنس تجلب هدية قيمة لزوجتك وأم ابنك أو ابنتك وأنا أخبرت مايا أنك لا تتخلى عن عائلتك أيها الكابتن.
حسام: أنتِ أيضًا من عائلتي رين.
دارين: إذا كان على عائلتك إنني موافقة، ولكن عكس ذلك لا تفكر لن أهدم عائلتك وبيتك بعدها أقبل بك حسام.
حسام: أول مرة تناديني باسمي مع ذلك لن أحزنك تلك المرة وسأعود معك إلى البيت.
دارين بمرح: أنا لا أصطحب ابن أختي معي، تعال بعدما أذهب لأخذ مريم ومغادرتنا.
حسام: حسنًا، هل وصلت إلى ابن أختك، وما علاقة مريم تلك بك؟
دارين بحزن: علاقة جميلة للغاية وأتمنى أن تختم بخير وسلامة، إلا حينها ستظل معي إلى أن أسلمها بيدي إلى زوجها المستقبلي الذي يراعي الله فيها ويحافظ عليها.
حسام: وأين والدتها؟
دارين: مريضة بعض الشيء ولحين شفاءها ستكون معي، هيا أنت ولا تتكاسل لحين ذهابي أبحث عن هدية جميلة لمايا.
حسام: شكرًا لوجودك بحياتي رين.
دارين: أنت أخي لا تنس ذلك ولا تعتاد على مناداتي رين.
ضحك على تعابير وجهها المحتقنة بالغيظ الشديد ونظر إلى طيفها بحب بعدها غادر هو أيضًا المكان مفكر بما سيجلبه لزوجته.
هالة: هيا طمئني قلبي يا ابنتي.
دارين: الحمدلله دائمًا وأبدًا أنا بخير لا تقلقي علي، هيا روما علينا الذهاب لترتاحي قليلاً وفي الصباح لدينا رحلة طويلة باستكشاف معالم لندن الجذابة.
هالة: سلمت يا ابنتي، لن أنس هذا مطلقًا لك.
دارين: لم أفعل شيء يا خالتي، هيا علي الذهاب وأراك لاحقًا.
مريم: كنت انتظرك وأنا قلقة كثيرًا عليك منذ رحيلك كنت مضطربة.
دارين: لا تقلقي، فأنا بخير ما دمتِ بخير يا روما.
بعد مرور ساعتين دق باب المنزل قامت مايا بفتح وهي عبوسة للغاية وعينيها تملأها الدموع ووالدته فضلت أن تخلد للنوم مبكرًا وتترك لهم مساحة للتصالح.
حسام: أجمل هدية إلى أحلى أم بالعالم جله.
مايا: هل جئت أخيرًا؟
حسام: دعينا من الماضي ولنبدأ حياة جديدة مع ابننا الجميل الذي سيشبه أمه كثيرًا.
مايا ببسمة: من الذي أخبرك أنه ولد؟
حسام: ولد أم فتاة لا يهمني، فيكفي أن والدته هب أنت.
مايا: اشتقت لك كثيرًا يا عزيزي.
حسام: وأنا أيضًا، لكن ذلك الحديث لا يقال هنا يا جميلتي.
ضحكت مايا وهالة بغرفتها تنصت إلى غزل ابنها لزوجته دعت الله أن يمن عليهم بصلاح حالهم وأن تقوم زوجته بالسلامة.
مرت الأيام في بهجة من مريم بزيارتها مع دارين للمتاحف والمعالم السياحية التي في لندن باستمتاع وهي ترسم لوحات جمالية عن كل مكان يقومون بزيارته إلى حسام ومايا الذين عادوا من جديد لحياتهم بحب وهم بانتظار مولودهم الذي سيجمل حياتهم أكثر بجانب هالة التي قررت البقاء مع ابنها وألا تتركه مجددًا مع إلحاهها على دارين أن تقبل هي الأخرى وبكثرة حديثها أخبرتها عن مصيرها مع مريم الذي سيظل محفوف بالخطر إن شاء اللّٰه لوالدتها بالشفاء ستكون بمفردها طوال حياتها وإن حدث ما لم تكن تتمناه سيكون على عاتقها مسؤولية تربية والبقاء معها إلى أن تنضج وترها عروسة.
دارين: اليوم هو موعد سفرنا وجئت بنا إلى هنا، ما السبب روما؟
مريم: لقد أعددت إليك هدية بيدي وأود أن أعطيها لك في أجواء تناسبها وتشبهها.
دارين بحماس: لقد تحمست للغاية لتلك المفاجأة الجميلة منك حبيبتي.
مريم أغمضت عينيها بيديها وهي تخرجها من حقيبتها وعلى وجهها ترسم ابتسامة عزبة.
دارين: مزينة باللون المفضل لي.
مريم: قومي بفتحها أعلم أنها ليست بجمالك وأتمنى أن تنال إعجابك آنستي.
دارين ببسمة: كل شيء منك جميل يا جميلتي، فأريني صغيرتي بما فكرت تهادي آنستها؟
انبهرت دارين من تلك اللوحة التي قامت مريم برسمها كانت عبارة عن آنستها ترتدي فستان مرصع بالورود تجول حول ذاتها بالحديقة ومن حولها الزهور والعصافير تحلق مع سعادتها بشفاءها.
مريم: هل أعجبتك أم أنها سيئة يا آنستي؟
دارين: ما هذا الحديث الفارغ؟ إنها غاية في الروعة والابداع لم أر بحياتي جمالاً كهذا يا روما.
ابتسمت لها قائلة: سعيدة أنها أعجبتك آنستي.
جاءها اتصال هاتفي قررت الذهاب إلى زاوية بينما تنهي مريم حلوتها وهي مسرورة وعلى وجهها البسمة والفرحة للعودة إلى والدتها ورؤيتها بعد تلك الفترة من الغياب.
دارين: مرحبًا، نعم أنا دارين أحمد شاهين من معي؟
الطبيب: إنني الطبيب المعالج للسيدة منى وحالتها ساءت للغاية بعد خضوعها للعملية وللأسف الشديد لقد فقدنها البقاء لله.
دارين بصدمة: ما الذي تقوله أيها الطبيب، ما الذي حدث لها؟
الطبيب: عند استئصال الورم من القلب توقف عن النبض، فلم يتحمل الجهد الكبير عليه وتحدثنا من قبل معها عن مدى خطورة العملية والخضوع لها.
دارين: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون.
الطبيب: البقاء لله، عليك الحضور لاستلامها هي من أوصت بذلك قبل دخولها غرفة العمليات.
دارين: سأكون في مصر اليوم إن شاء اللّٰه، فأنا خارج البلاد الآن وسأستقل الطيارة الآن سلمت.
مريم: ماذا هناك آنستي، تبدين حزينة للغاية وتكاد دموعك تنفجر من أعينك؟
احتضنت دارين مريم بشجن والدموع تسيل على وجنتيها طالبة الرحمة والمغفرة لوالدتها وأن يصبر قلب الفتاة الصغيرة على فراق والدتها.
هالة: ما الذي يحدث هنا يا ابنتي؟
دارين: الحمدلله دائمًا وأبدًا أنك هنا خالتي، تعالي معي بسرعة.
هالة: ليرحمك الله يا منى، فكنت ونعم الرفيقة والأخت.
دارين: اللهم آمين، خالتي لا أعرف كيف أخبر مريم؟
هالة: بعد وصولنا إلى مصر نفكر بشأن هذا الأمر.
مريم: آنستي أحاول مهاتفة أمي وإخبراها أنني سأصعد إلى الطائرة لتنتظرنا بالمطار دون جدوى لا تجيب.
دارين: لا تقلقي عزيزتي قد تكون لم تستمع إلى الهاتف، هيا بنا سنتأخر على الطائرة.
بعد وصولهم قرروا الذهاب فورًا إلى المستشفى وإتمام جميع الإجراءات اللازمة ودارين في كل مرة تحاول أن تخبر مريم تجدها نائمة ويصعب عليها إقاظها.
هالة: عليها أن تودع والدتها قبل تغسيلها يا ابنتي، فهي الآن ستجهز للخروج من المشفى وعليها أن ترها لآخر مرة.
دارين بدومع وألم: لا أعلم الطريقة المناسبة لاخبراها لا زالت صغيرة على ذلك الحزن وتحمل الألم في سنها.
هالة: ليربط الله على قلبها ويصبرها يارب.
آمنت على دعائها وذهبت لإحضار مريم من الغرفة وهي تحاول جاهدة كبح دموعها من التحرر أمامها وتجمع كلماتها التي ستخبرها بها.
مريم: ماذا هناك آنستي، لماذا جئنا إلى المشفى، هل أنت مريضة أم عمتي؟
دارين: لا يا روما، فهناك ما أريد إخبارك به وعليك أن تكوني صامدة وتتحملين.
مريم بتعجب: ما هو ذلك الشيء المهم الذي يقلقك هكذا؟
دارين: الأمر يتعلق بوالدتك كانت مريضة قلب وأجرت عملية جراحية وللأسف…
مريم: لا تكملين كلمتك، ما الذي تهذي به آنستي هي بخير ولن تتركني؟
دارين احتضنتها بقوة قائلة: هي لن تتركك وستظل معك إلى الأبد، لكن عليك أن تكوني قوية لأجلها وليس من أجلي.
مريم: لا تحاولين التلاعب بأعصابي من فضلك آنستي، فإن كان ذلك جله؛ بسبب إحزاني لا، فأنا سأعتذر لأمي ولن أكون شقية مرة أخرى.
هالة: هيا مريم، علينا الذهاب إلى والدتك.
مريم بفرحة: نعم علي الذهاب، هي لم تمت وأنا حزينة للغاية منك آنستي تكذبين علي وتقولين هذا الكلام الفارغ.
تصدم بوجود والدتها ممدة على فراش الموت وحولها الممرضة تساعد مريم على التقدم نحو والدتها بمواساة دون جدوى كانت في عالم آخر تتذكر كلمات والدتها وضحكاتها، وتارة أخرى تعنيفها لها سرعان ما صرخت بنداء يمزق الفؤاد ” أمي” ركضت إليها دارين لتنتشلها من دوامتها تلك قائلة: حبيبتي، حبيبتي هكذا ستجعلينها تحزن على هيئتك تلك لتوديعها بالدعاء يا روما.
مريم: هذا كابوس مزعج أريد الاستيقاظ منه ورؤية أمي.
هالة: لتكوني صامدة من أجلها يا حبيبتي.
مريم: آنى لقلبي أن يصمد في لحظة كهذه؟
الممرضة نظرت نحو دارين بمعنى عليهم الإسراع آن الأوان.
دارين: علينا أن نودعها الآن حبيبتي.
قامت مريم باحتضان والدتها بقوة وهي تبكي بشدة وتطلب السماح منها على كل لحظة أغضبتها وأحزنتها دون قصد.
هالة: بالطبع تسامحك، هيا بنا يا ابنتي.
انتهت مراسم تشييع الجنازة وتلقوا العزاء والمواساة من الجيران والأصدقاء كل ذلك ومريم في غرفة والدتها لا تفارقها وترفض الطعام والشراب.
دارين: مريم لم تتناولي لقمة واحدة منذ البارحة.
مريم:….
هالة: هل تريدين أن تحزن أمك حبيبتي؟
دارين: هيا لقمة واحدة من أجلي روما.
هالة: لنتركها ترتاح وبعد قليل نجلب لها الطعام.
دارين: أنا لا أطمئن عليها وهي بتلك الحالة خالتي.
هالة: لدي فكرة لجعلها تخرج من حالتها تلك.
دارين: روما لقد أحضرت لك شيء جميل.
مريم:…..
هالة: ألا تفكرين في رسم صورة لغاليتك؟
مريم: غاليتي؟!
ابتسمت دارين: بالطبع حبيبتي، فأنا قمت برسم أول شيء في حياتي بعد محنتي وكانت أمي وأبي.
مريم: لا استطيع فعل ذلك الآن يا آنستي.
دارين: من أجلي يا قلب آنستك، تناولي الطعام ولو جزءًا يسيرًا.
مريم بدموع: أمي تركتني لم يعد لدي شهية للنظر إليه حتى.
دارين: ولو عليها لم تكن تود أن ترحل قبل أن تزفك إلى زوجك، لكن هذه إرادة الله وعلينا الرضاء بالقدر.
مريم: حسنًا فقط بضع لقيمات.
مضت الأيام عليها بين رفض وقبول للواقع وها هي تقف أمام قبر والدتها وتبكي بشدة شوقًا لها وتعلم أنها حزينة وأخبارها بعدما قرأت الفاتحة لها أن ذلك صعب عليها وقلبها يتمزق من الشوق لاحتضانها.
دارين: أغمضي عينيك وسترينها أمامك.
مريم: أمي أريد أن أحتضنك بقوة لا تتركيني هنا وأنت هناك.
هالة: علينا العودة الليل قد آتى علينا يا ابنتي.
دارين: هيا وغدًا سنأتي مجددًا روما.
مريم: لا أتركوني مع أمي وأذهبوا أنتم.
هالة: علينا أن نرحل حبيبتي، سنأتي مجددًا أعدك يا مريم.
مريم لنفسها: كل يوم سآتي لزيارتك يا أمي، لن أتركك بمفردك هنا وإن اضطررت للبيات بجوارك طوال حياتي يا نور عيني.
دارين: بعدما قمت بزيارة والدتك، ألا تشعرين بتحسن ولو قليلاً؟
مريم: الحمدلله دائمًا وأبدًا.
دارين: ألا تريدين أن تتناولي الطعام منذ الصباح ونحن بالمقابر؟
مريم: متى ستعود عمتي إلى لندن؟
دارين: تفكرين بالذهاب معها تلك فكرة رائعة.
مريم: أتحدث عنك آنستي، فأنت ستذهبين وأنا سأظل وحيدة هنا وأود العيش بجوار قبر أمي لعلي أستشعر الأنس بها.
دارين: ما الذي تقولينه يا روما، هل بعد ما رأيته منه أتركك بمفردك؟
مريم بألم: أنت لا ذنب لك أن تظلين معي، فعليك أن ترين حياتك وتكمليها من أنا بالنسبة لك حتى تبقين بجانبي؟
دارين: أنت كل شيء بالنسبة لي روما، لا تتذكرين من كان معي بمحنتي غير خالتي وكانت ملهمتي التي تساعدني ولا تتركني أبدًا بجانب كوني بالمستشفى ظلت معي إلى أن خرجت؟
مريم:…
دارين: لا تقولين هذا الكلام مرة أخرى؛ لأنني لن أقبله منك تحت أي ظرف ومسمى كان، فإن كانت أمك تحبك وتخاف عليك من الهواء الذي يداعب وجنتيك الجميلتين تلك هذا لا يعني أنني لا أحبك.
مريم: هل أمي كانت تحبني حقًا؟
دارين ابتسمت للعبها على الوتر المناسب: بالطبع، هي كانت ولا زالت تحبك وتحب الخير والسعادة الدائمة لحياتك وقلبك الجميل بجانب الابتسامة لا تغادر ثغرك مطلقًا وما فعلته حين تعنيفك كان أيضًا من خوفها على إلتهائك عن دراستك التي هي أهم من أي شيء بتلك الحياة.
مريم: أنا لا أريد أن أدرس وسأظل بجوارها إلى أن ألقاها.
دارين: هل تظنين أن ذلك سيجعلها تسر وهي تراك مهملة لدراستك؟
مريم احتضنتها بقوة وحزن: أنا اشتاق إليها كثيرًا ولا استطيع تقبل فكرة أنها لم تعد موجودة في حياتي من جديد، فأنا أشعر كأني بكابوس مزعج حينما استيقظ سينتهي كل هذا.
دارين: أعلم مدى الألم الذي تشعرين به، فأنا مررت به مضاعف حينما كلا والداي تركاني بمفردي في تلك الحادثة المؤلمة التي عشتها وكانت بداية محنتي بها وأنت شاهدة على ذلك أليس كذلك؟
مريم: نعم آنستي، ولكن كيف تخطيت تلك المحنة المؤلمة؟
دارين: يا قلب آنستك، لا يوجد حزن يدوم ولا سعادة تستمر؛ لذلك علينا أن نتوكل على ربنا وندعوه أن يصبرنا على فراقهم وألم رحيلهم، حتى إننا لا ننساهم فقط الحياة تستمر وتمر أيامنا وذكراهم تظل محفورة بعقولنا ولا يتركونا أبدًا.
مريم: أعتقد أن الرسم ألهمك بنسيانهم ولو قليلاً، أليس كذلك؟
دارين: على العكس تمامًا جعلني أجسد ذكراهم أكثر من ذي قبل، فإن ظللت أفكر بهم بعد ذلك قد أنشغل بشيء ولا أرسخ عقلي بهم؛ لكن تدوين صورهم أمامي في لوحاتي يجعلني أراهم معي في كل مكان من غرفتي.
مريم: هل تقصدين تلك الغرفة آنستي؟
دارين: تعالي معي يا روما.
قامت بشرع غرفة الذكريات كما تطلق عليها وكانت مليئة باللوحات المزينة منه والسوداء بجانب الفارغة التي لا تملك ذكرى.
مريم: روعة من الذكريات المخزنة.
دارين أجلستها على الكرسي وأعطتها اللوحة الفارغة ومعها فرشاة مقربة منها الألوان التي تخرج بها مخزون الشجن والأنين القابع بداخلها.
مريم: ما هذا آنستي، إني لا أعرف أن أرسم ولوحتي جاءت معي صدفة؟
دارين: أنا معك وسنجعل الصدفة تتكرر إلى أن تكون كل ذكرى بداخلك لوح غانية من الفنون الإبداعية للفنانة مريم.
مريم لأول مرة تبتسم قائلة:” فنانة”.
دارين ابتسمت على إنجازها الصغير ذلك قائلة: بالطبع، هيا لا نضيع الوقت لنبدأ بثاني لوحة من إبداعك.
مريم: كيف سأفعل ذلك آنستي، أعذريني لن أستطيع؟
دارين: عندما تغلقين عينيك جيدًا، سترين وجه أمك حينها عليك أن ترسميه بكل التفاصيل التي سترينها وإن أخطأت تمحين كل شيء ونبدأ من جديد إلى أن ننتهي من لوحتنا.
مريم قامت بتنفيذ كل ما قالته وهي تخشى أن تفشل ومع حث دارين المستمر بدأت في رسم وجه خفيف وباهت لإمرأة في عقدها الستين بتفاصيل أكثر حزنًا وتنظر إلى شخص ما.
هالة: صباح الخير عليكم يا فتيات، ماذا تفعلون؟
دارين: نحن منذ الأمس نحاول رسم لوحة تجسد شخصية محبوبة للغاية لدى روما.
هالة: يا ترى من تلك المحظوظة التي قامت آنسة مريم برسمها؟
مريم: دعينا آنستي نجعلها تكتشفها بمفردها، فعمتي ذات ذكاء خارق وتتحلى بالفطنة.
ابتسمت دارين لها وأومأت برأسها دليل على الموافقة.
هالة تمعنت في الوجه الباهت قليلاً قبل تقول بحماس:” منى”.
دارين: فطنة للغاية يا روما، لا تتحديها مرة أخرى وإلا سنخسر.
مريم: رغم أن الوجه يبدو مبهم كثيرًا ولم أحدده جيدًا تعرفتي عليها.
هالة: إنها عشرة سنين وليست أيام يا ابنتي، هيا لتغسلوا أيديكم وأسنانكم لنأكل معًا.
مريم: عمتي تعاملنا معاملة الأطفال.
دارين: بالنسبة لكِ حسنًا، ماذا عني أنا؟
مريم: فطار جماعي اشتقت إليه صراحة.
دارين: وأنا أيضًا اتتوق لتلك الابتسامة تعود من جديد وبعد إتقانك للرسم، سأتحدى ملهمتي في معرضي الذي سيعرض فيه كل لوحاتنا الفنية والجميلة.
مريم: لن تكون بجمال لوحاتك آنستي.
دارين بابتسامة: ما ذلك التواضع يا روما؟!
مريم: إنني متعبة أود النوم تناولوا أنتم فطوركم.
دارين بنعاس: وأنا أيضًا، لكن لا استطيع ترك معدتي تستغيث من فرط الجوع.
ابتسمت مريم: هذا حال معدتي كذلك الأمر، فإن كان كذلك حسنًا.
مرت الأيام وراء الشهور وحان موعد تخرج الطالبة مريم من كلية الفنون الجميلة حاصلة على شهادة البكالوريوس.
دارين بفرحة: حبيبة قلبي قد تخرجت مبارك.
مريم احتضنتها بحب قائلة: ليبارك الله فيكِ آنستي الغالية.
دارين: علينا أن نحتفل بذلك اليوم السعيد.
مريم: رفاقي قد أعدوا حفلة بمناسبة تخرجنا، ما رأيك أن ننضم لهم؟
دارين: بالطبع، ونحن لدينا حفلتنا الخاصة.
مريم: يا للروعة، هكذا يكون الاحتفال يا آنستي.
دارين:روما، علينا أن نسافر إلى لندن بعد الحفلة.
مريم بولج: هل هناك شيء يستحق السفر آنستي؟
دارين: لا، فقط اشتقت إلى خالتي منذ فترة لم تزورنا.
مريم: في ذلك لديك حق يا آنستي الغالية.
دارين: ألن نأكل شيئًا أم سنظل نتحدث هكذا يا فنانتي المبدعة؟
مريم: هذا من فضل ربي؛ ثم تواجدك معي إلى أن أصبحت مبدعة بكل أنواع الرسم يا غاليتي.
دارين: لا يوجد أحد غالي لدي مثلك روما، فكل العالم بكفة وأنت بمفردك تمتلكين قلبي جله.
مريم بحب: ما هذا الجمال يا سادة، سيقف قلبي من فرط حسن الكلام وقائله!
دارين: لا أأخذ منك سوى كلمات معسولة أيتها الشقية.
مريم: هل ستزورين أحدًا هنا، لماذا جئنا إلى هذا المكان؟
دارين: نعم، فلدينا زيارة مهمة قد خصصناها كل أسبوع وذلك اليوم غاية في الأهمية لديها.
مريم بشوق وحنين كبير:” أمي”.
دارين: لنقرأ الفاتحة؛ ثم تخبرينها عن أهمية اليوم بالنسبة لك يا جميلتي الصغيرة، فإن نضجت ألف عام ستكونين بعيني صغيرتي.
- احتضنتها بحب وإمتنان عما مضى من عمرها إلى الآن كانت هي الرفيقة في حين الشجن تستمع إليها دون كلل والأم إن ضاقت بها الدنيا تلجأ إلى أحضانها وتخفف عنها عبء الحياة بجانب الشقيقة إن احتاجت إلى نصح وإرشاد، فلم تتركها أبدًا وظلت مكملة مسيرها تتغاضى عن العراقيل التي واجهتها مع زوجها بسبب اعتناءها الزائد بمريم والذي كان يسافر وهذا من حسن حظها لتراعي وتكتفي بصغيرتها وجعلها ناجحة في حياتها مرورًا بزوجها الذي يراعي الله فيها مؤتمنة إياها لديه ويحافظ عليها كنور عينيه بالنهاية هي وصية والدتها لديها ويتوجب عليها أن تجد الشخص المناسب الذي يكمل مسيرتها بمراعاة الوصية وتأدية حقها كما ينبغي.
![]()
