...

الكف

أبريل 2, 2026
IMG 20260402 WA0261

 

الكاتبة نبأ ميثم سلمان

 

كانت نور تجلس في مقعدها المعتاد، تحدّق في الأستاذ بعينين شاردتين.

كان صوته يتلاشى في أذنها، يتحوّل إلى صدى باهت… كأنه سراب لا يمكن الإمساك به. خفضت بصرها إلى يدها، إلى الظفر المطلي بالأحمر. بدأت تتأمله كما لو كان لوحة فنية: خطوط، لمعة، حدود مثالية. لكن عند حافة الظفر، كانت هناك زائدة لحمية صغيرة تشوه المنظر. رفعت إصبعها ببطء.

أدخلته في فمها… وقضمتها.

ثم رمتها على الأرض.

همست: “الآن… صارت يدي مثالية.”

رفعت رأسها فوجدت نظرات الأستاذ مراد معلّقة عليها. قال بصوت عالٍ: “ماذا تفعلين يا نور؟” ردت نور بانحراج: “لا شيء!” تجاهل شرودها واستأنف الدرس، لكن ذهنها بقي غارقًا في مكان آخر.

في اليوم التالي، عندما وصلت إلى المدرسة، رأت عددًا قليلًا من الطلاب، والأستاذ مراد يدخل من بوابة المدرسة. واصلت السير إلى صفها، وكالعادة ذهبت إلى مقعدها المخصص. وجدت بقعة دم صغيرة على الطاولة. تراجعت قُدمًا، تقززت، تمتمت بشتيمة صغيرة، وهي تظن أن أحد الطلاب تركها عبثًا.

جلست، لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا…

الصمت كان كثيفًا، ثقيلًا، كأن المدرسة خالية من الهواء نفسه.

انتظرت، وظل المقعد فارغًا من حولها…

الوقت يمرّ، ولا طالب واحد ظهر، ولا معلم. عكس ما رأته في الصباح…

حملت حقيبتها وسارت في الممر.

لم يكن هناك صوت سوى احتكاك خطواتها بالأرض. ظنت للحظة أن المدرسة ربما في عطلة…

لكنها تذكّرت بوضوح أنها رأت الطلاب صباحًا. وصلت إلى بوابة المدرسة. كانت مغلقة بإحكام.

طرقت الباب… لم يجب أحد. صرخت… لا جواب. كان المكان يبتلع صوتها، كأنه لا يريد أن يخرج.

فجأة، سمعت طقطقة خطوات خلفها.

التفتت بسرعة! لا شيء.

لكن الخطوات كانت واضحة، تركض، تقترب… ثم تبتعد. سقطت حقيبتها منها بلا وعي، وركضت خلف الصوت. كلما اقتربت، ابتعد أكثر. كأن أحدهم يلهو بها.

توقفت عند باب غرفة أحد الأساتذة.

طرقت. لا أحد. مدت يدها للمقبض… كان باردًا بشكل غير طبيعي.

فتحته ببطء، وداخلها كان ينهار.

رأت المكتب، ومن خلفه خط دم كثيف يمتد إلى الأرض. اقتربت… خطواتها ترتجف. ثم رأته. الأستاذ مراد… ممددًا على الأرض.

ويداه مقطوعتان، والدم يغرق القميص والأرض. صرخت… وهربت.

كانت دموعها تتساقط دون أن تشعر بها.

ركضت في الممرات، والخطوات خلفها تجري، تقترب، تتسابق مع قلبها.

توقفت فجأة أمام ساعة جدارية. كانت عقاربها متوقفة منذ زمن. البرد احتل عمودها الفقري. فجأة تذكرت الهاتف الأرضي في الطابق الثاني. ركضت إليه بجنون، رفعت السماعة، ضغطت الأرقام…

1… 1… 2… لا شيء. الخط ميت…

تمامًا مثل الساعة.

تجمدت في مكانها حين ظهر على الأرض ظل طفل صغير… يحبو. وضعت يدها على قلبها، أغمضت عينيها. سمعت بكاءً خافتًا…

فتحت عينيها، الظل اختفى، الصوت اختفى! ارتجفت قدماها، البكاء ما زال يرنّ في أذنها. همست: “مَن هناك؟”

لم يجبها شيء سوى صدى صوتها.

نزلت للطابق الأرضي، وقفت عند البوابة من جديد، وصرخت، ثم صرخت، لكن المكان كان أعمى، أصم، لا يسمع. دخلت أحد الصفوف تبحث عن نافذة كبيرة. لكن حين نظرت إلى الزجاج، رأت انعكاسها. كان جبينها ملطخًا بالدم. شهقت، نظرت إلى يديها، كانتا غارقتين بالدماء. بدأت تمسحه بجنون، بملابسها البيضاء، لكن الدم كان يتزايد.

سقطت على الأرض بالبكاء. ثم رأت شيئًا على الأرض أمامها. كفوف… كثيرة… بلا أجساد. شعرت أن الهواء يختفي من حولها.

ثم جاء صوت مضغ ورائحة دم. التفتت ببطء، وخلف المقعد كان طفل صغير، عارٍ، يمسك بذراع بشرية ويأكلها. الدم يغطي فمه وجسده. نظر إليها… وبدأ يحبو نحوها، وهو يتمتم بكلمات طفل غير مفهومة.

صرخت، اندفعت نحو الباب، حاولت فتحه، مسكت المقبض، دفعته، لم يتحرك. الطفل يقترب… نَفَسُه يقترب… يداه تلمس الأرض… وأخيرًا انفتح الباب، فاندفعت منه وركضت في الممرات.

الممرات التي تجمّد الزمن فيها منذ دخولها. كل من كان هنا… قطع كفّيه.

دخلت نور صفًا آخر، تسمع دقات قلبها أعلى من أي صوت. نظرت إلى الساعة الجدارية، متوقفة أيضًا.

دقات قلبها وحدها كانت تعلن مرور الوقت.

فجأة، تذكرت النافذة في صفها الأصلي. قد تكون طريق الهروب. ركضت عبر الممرات حتى وصلت. فتحت الباب… وتجمدت.

كان هناك رجل عجوز يقف في منتصف الصف.

ابتسمت نور بخوف: “ساعدني… أرجوك!”

نظر إليها بنظرة غريبة.

عيناه توقفتا على يدها… على الطلاء الأحمر. اقترب منها… أمسك يدها. كانت يده باردة… كأنها يد ميّت.

قال بصوت خافت: “هذه هي اليد التي أبحث عنها.”

أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.

سقط قلبها عندما رأته… كانت الزائدة اللحمية التي قضمتها بالأمس.

ابتلعت ريقها، همست: “ماذا…؟ كيف…؟”

ابتسم… ظهرت أسنانه الملطخة بالدم. وقال ببرود:

“سأقطع كفّيك.”

أغمضت نور عينيها، وإذا بصوت القلم يطرق على الطاولة. فتحت عينيها. كانت في الصف. الأستاذ مراد أمامها. قال:

“هل هذا مكان للنوم… أم للدراسة؟”

نظرت إلى أعين الطلاب… وانطلقت ضحكاتهم حولها.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *