...
IMG 20260624 WA0009

 

الكاتب: سعيد بدر 

 

استيقظتُ على وقع ثلاث دقاتٍ متتالية، منتظمة كنبضات قلبٍ خائف. تمتمتُ في غفوتي: «من هذا في هذا الوقت؟». كان الصباح لا يزال يافعًا، والضوء يتسلل من شقوق الستار خجولًا.

نهضتُ متثاقلًا، وفركتُ عينيّ، واتجهتُ نحو الباب. فتحته على مهل، وإذا بي أجد أمامي… لا أحد. فقط قنينةٌ سوداء واقفة على عتبة الباب، كأنها حارسٌ صامتٌ للفجر.

انحنيتُ لألتقطها، فكانت باردةً جدًا، كأنها أتت من عمق شتاءٍ بعيد. زجاجها أسود حالك، لا يعكس الضوء، بل يبتلعه. ارتجفت يدي وأنا أمسك بها، ليس من البرد، بل من ذلك الشعور الغامض بأن هذه القنينة ليست مجرد وعاء.

أدخلتها إلى المنزل، ووضعتها على الطاولة. جلستُ أمامها أتأملها. على جانبها نقشٌ صغيرٌ بالفضة، قرأته بصعوبة: «من يفتحني يجد ما فقد».

ضحكتُ في سري. ما هذا؟ لعبةٌ طفولية؟ هدية غامضة من جارٍ يحب المزاح؟ لكن شيئًا ما بداخلي كان يقول لي: ليست مزحة.

رفعتُ يدي لألمس غطاءها، فكان محكمًا كأنه جزءٌ منها. حاولتُ فتحه، فلم ينزع. حاولتُ بقوة، فلم يتحرك. شعرتُ بالإحباط، فتركتها ونهضتُ لأعدّ قهوتي.

وبينما كنتُ أسكب الماء الساخن، سمعتُ صوتًا خافتًا يأتي من القنينة. توقفتُ. صمت. ثم سمعته مجددًا: كأنه همس، كأنه تنهيدة، كأنه صوتٌ أعرفه كثيرًا.

اقتربتُ منها، ووضعتُ أذني على زجاجها البارد. عندئذٍ انطلقت الأصوات: ضحكات طفولتي، وصوت أمي وهي تغني، ونقاشات حارة في غرفة الصف، ونباح كلبي الذي مات منذ سنوات، وهمسات حبيبتي التي رحلت، وصوت جدي وهو يروي حكاياته قبل النوم.

انهمرت دموعي وأنا أصغي. كل هذه الذكريات، وكل هذه الأصوات، كانت محبوسة في تلك القنينة السوداء، وكأنها انتظرتني طوال هذه السنين لأفتحها، لكني لم أستطع.

حاولتُ مجددًا بكل قوتي، أرجوها أن تنفتح، وأتوسل إليها، وأهزها بعنف، لكن الغطاء ظل صامدًا. تعبتُ وجلستُ على الأرض، والقنينة بين يدي، أبكي كطفلٍ ضاع في السوق.

عندها شعرتُ بدفءٍ يخرج من القنينة. لا، ليس دفئًا حسيًا، بل دفئًا روحيًا، كأنها تهمس لي: «لستَ بحاجةٍ لفتحي، أنا هنا معك».

ومضت ساعات، ولم أعد أحاول فتحها. تركتُها على الطاولة، فأصبحت جزءًا من بيتي، كأنها صديقٌ صامتٌ يحمل كل ما أحببتُ وفقدتُ.

في المساء، جلستُ أمامها، وبدأتُ أحدثها. حدثتها عن أمي، وعن الحبيبة، وعن الجرو الصغير، وعن أحلامي التي تلاشت. وفي كل مرة أتحدث، كنتُ أشعر كأن القنينة تصغي، وكأنها تبتسم لي بظلها الأسود.

قبل النوم، همستُ لها: «ربما لستُ بحاجةٍ إلى فتحك. ربما أنتِ هنا لتذكريني بأن ما فقدته لم يضع حقًا. إنه هنا، في داخلي، وفي هذه القنينة التي تحرسه».

وفي الصباح، نهضتُ فوجدتها قد اختفت. لا أثر لها، لا نقش، لا شيء. لكن في مكانها وجدتُ ورقةً صغيرةً مكتوبًا عليها بخطٍ جميل:

«أنت من فتحني حين تحدثتَ إليّ».

ابتسمتُ. عرفتُ حينها أن القنينة السوداء لم تكن سوى مرآة روحي، وأن كل ما أحتاجه لأجد ما فقدته، هو أن أتوقف عن محاولة فتح الأبواب المغلقة، وأن أبدأ بالحديث مع ما بداخلي.

ومنذ ذلك اليوم، صرتُ كل صباحٍ أفتح نافذتي، وأنظر إلى الأفق، وأهمسُ في الهواء: «شكرًا لكِ أيتها القنينة السوداء، لأنكِ علمتِني أن الخسارة ليست نهاية، بل بداية لرحلةٍ جديدةٍ نحو الذات».

(النهاية)

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *